الدنيا و الاخرة في الكتاب و السنة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٢٦٦
عدم الرغبة القلبيّة في اللذائذ التي تسبّب الضرر للإنسان. ولتوضيح هذا المطلب نقول : إنّ الإنسان يرغب أحيانا في عملٍ ما ، لكنّ عقله يردعه عن أدائه لما فيه من الضرر ، فيمتنع الإنسان منه مع رغبته القلبيّة فيه ، وهذا الفعل يسمّى الصبر ، والذي يستطيع أن يضبط نفسه أمام ما يشتهي يسمّى صابرا ؛ لأنّه استطاع أن يقاوم رغباته الطبيعيّة وميوله القلبيّة ، وتلك فضيلة لا تُباهى ومكرمة لا تُضاهى ، قال أمير المؤمنين عليه السلام : ما أحسَنَ بِالإِنسانِ أن يَصبِرَ عَمّا يَشتَهي . [١] ولمّا قال له رجلٌ : عظني يا أمير المؤمنين ، قال عليه السلام : اُترُك لِما تَبقى ما تَشتَهي أبَدا كَفى بِمَن عَفَّ عَمّا يَشتَهي كَرَما [٢] لكن يجب الانتباه إلى أنّ مثل هذا الإنسان يمتنع عن رغباته بفضيلة الصبر وليس بفضيلة الزهد ؛ لأنّ الزهد درجة أعلى من الصبر ، إنّ الزهد عبارة عن غلبة عدم الرغبة القلبيّة في اللذائذ الضارّة على القلب بحيث تقع الرغبة الطبيعيّة تحت سيطرته ، فحينئذٍ لا يحتاج الزاهد في امتناعه عن اللذائذ الضارّة إلى الصبر والمقاومة ؛ لأنّه لا يشعر في وجوده بميل إليها ، ويشير أمير المؤمنين عليه السلام إلى هذه الفضيلة العظمى بقوله : ما أحسَنَ بِالإِنسانِ ألاّ يَشتَهِيَ ما لا يَنبَغي . [٣] وحينما يصل الإنسان إلى هذه المرتبة العالية فإنّه يصبح زاهدا ، ولا يبالي بإقبال الدنيا أو إدبارها ، فلا يفرح بإقبالها ولا يحزن على إدبارها ، يقول أمير المؤمنين عليه السلام
[١] غرر الحكم : ح ٩٦٤٨ ، عيون الحكم والمواعظ : ٤٧٩ .[٢] شرح الأخبار : ج٢ ص٣٨٢ ح٧٤١ .[٣] غرر الحكم : ح٩٦٤٩ ، عيون الحكم والمواعظ : ص ٤٧٩ ح ٨٨٠٦ وفيه «أجمل» بدل «أحسن» .