موسوعة ميزان الحکمة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٢٤٦
٥٦٦٨.الإمام الصادق عليه السلام ـ لِلمُفَضَّلِ بنِ عُمَرَ ـ ثُمَّ الماءُ لَولا كَثرَتُهُ وتَدَفُّقُهُ فِي العُيونِ وَالأَودِيَةِ وَالأَنهارِ ، لَضاقَ عَمّا يَحتاجُ النّاسُ إلَيهِ ، لِشُربِهِم وشُربِ أنعامِهِم ومَواشيهِم ، وسَقيِ زُروعِهِم وأشجارِهِم وأصنافِ غَلّاتِهِم ، وشُربِ ما يَرِدُهُ مِنَ الوُحوشِ وَالطَّيرِ وَالسِّباعِ ، وتَتَقَلَّبُ فيهِ الحيتانُ ودَوابُّ الماءِ ، وفيهِ مَنافِعُ اُخَرُ أنتَ بِها عارِفٌ وعَن عِظَمِ مَوقِعِها غافِلٌ . فَإِنَّهُ سِوَى الأَمرِ الجَليلِ المَعروفِ مِن غَنائِهِ في إحياءِ جَميعِ ما عَلَى الأَرضِ مِنَ الحَيَوانِ وَالنَّباتِ ، يَمزُجُ بِالأَشرِبَةِ فَتَلينُ وتَطيبُ لِشارِبِها ، وبِهِ تُنَظَّفُ الأَبدانُ وَالأَمتِعَةُ مِنَ الدَّرَنِ الَّذي يَغشاها ، وبِهِ يُبَلُّ التُّرابُ فَيَصلُحُ لِلاِعتِمالِ ، وبِهِ نَكُفُّ عادِيَةَ النّارِ إذَا اضطَرَمَت ، وأشرَفَ النّاسُ عَلَى المَكروهِ ، وبِهِ يَستَحِمُّ المُتعِبُ الكالُّ فَيَجِدُ الرّاحَةَ مِن أوصابِهِ ، إلى أشباهِ هذا مِنَ المَآرِبِ [١] الَّتي تَعرِفُ عِظَمَ مَوقِعِها في وَقتِ الحاجَةِ إلَيها ، فَإِن شَكَكتَ في مَنفَعَةِ هذَا الماءِ الكَثيرِ المُتَراكِمِ فِي البِحارِ ، وقُلتَ : مَا الإِربُ فيهِ ؟ فَاعلَم أنَّهُ مُكتَنَفٌ ومُضطَرَبٌ ما لا يُحصى مِن أصنافِ السَّمَكِ ، ودَوابِّ البَحرِ ، ومَعدِنِ اللُّؤلُؤِ وَالياقوتِ وَالعَنبَرِ ، وأصنافٍ شَتّى تُستَخرَجُ مِنَ البَحرِ ، وفي سواحِلِهِ مَنابِتُ العودِ اليَلنجوجِ [٢] وضُروبٍ مِنَ الطّيبِ وَالعَقاقيرِ . ثُمَّ هُوَ بَعدُ مَركَبُ النّاسِ ، ومَحمِلٌ لِهذِهِ التِّجاراتِ الَّتي تُجلَبُ مِنَ البُلدانِ البَعيدةِ ، كَمِثلِ ما يُجلَبُ مِنَ الصّينِ إلَى العِراقِ ، ومِنَ العِراقِ إلَى العِراقِ [٣] فَإِنَّ هذِهِ التِّجاراتِ لَو لَم يَكُن لَها مَحمِلٌ إلّا عَلَى الظَّهرِ لَبارَت وبَقِيَت في بُلدانِها وأيدي أهلِها . لِأَنَّ أجرَ حَملِها كانَ يُجاوِزُ أثمانَها ، فَلا يَتَعَرَّضُ أحَدٌ لِحَملِها ، وكانَ يَجتَمِعُ في ذلِكَ أمرانِ : أحَدُهُما فَقدُ أشياءَ كَثيرَةٍ تَعظُمُ الحاجَةُ إلَيها ، وَالآخَرُ انقِطاعُ مَعاشِ مَن يَحمِلُها
[١] المآرِبُ : الحوائج ، واحدها مأربة ـ مثلثة الراء (مجمع البحرين : ج ١ ص ٣٧ «أرب») .[٢] اليلنجوجُ : عُودُ البُخورِ (بحار الأنوار : ج ٦٠ ص ٩٠) .[٣] من العراق : أي البصرة ، إلى العراق : أي الكوفة أو بالعكس (المصدر) .