الطفل بين الوراثة والتربية - الفلسفي، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٢٥١ - الحياء المحبذ والحياء غير المحبذ
طريق التقدم :
يبذل الطفل نشاطاً بصورة طبيعية في طريق الوصول إلى الكمال المنشود ، يستغل طاقاته الطفولية في هذا السبيل. إن تشجيع الوالدين والأصدقاء يفسح المجال أمامه للتقدم اكثر ، ويمد سراج الأمل والتظامن في¨ نفسه بالوقود بإستمرار ... وفي النتيجة تتفتح مواهبه واحدة بعد الأخرى وعلى العكس من ذلك فإن إهمال الوالدين أو تزمتهما يضعف النشاط الفردي عند الطفل ويبعث فيه الفتور والملل في سلوك طريق الجد والعمل. اإن تكرار هذا السلوك المذموم يهدم روح الطفل ويتضمن نتائج وخيمة. ولأجل أن يتضح الأمر بصورة أجلي للمستمعين الكرام نستشهد بالمثال التالي :
صبي صغير السن لم يمض على دخوله المدرسة أكثر من عدة أشهر وقد تعلم بعض الدروس من كتاب الصف الأول. والآن قد كتب صفحة كاملة لأبول مرة ، وأظهر نتائج جهوده على صفحة من القرطاس. إن هذه الكتابة تعتبر الإنتصار العلمي العظيم لهذا الصبي ... فهي خلاصة الأتعاب التي بذلت معه طيلة عدة أشهر ، وهي ـ بعدُ ـ مرآة تعكس شخصيته يثبت عينيه نحو باب الدار ويعدّ الدقيقة بعد الأخرى لقدوم والده وإراءة هذا الأثر اللامع له ... إنه يأمل في التشجيع والإستحسان من أبيه ، وهذه الساعة هي أسعد ساعات حياته.
يدخل الأب الى البيت ، فيركض الصبي لكي يريه ما كتبه ثم يظل ينظر إلى أبيه بعينين نافذتين. إن الأب العاقل الأب العاقل الأب الواعي .. يقرأ كتابة الصبي بإمعان ، نافذتين. إن الأب العاقل الأب الواعي .. يقرأ كتابة الصبي بإمعان ، فيبتسم ... ثم يحمله بين ذراعيه ، ويعامله باللطف والمحبة ويكرر الإستحسان والثناء عليه وبهذا يكافئه بأحسن صورة. إن سلوك الأب يمنح الصبي روحا طرية ، فيزداد نشاطه وجدّه ، ويستمر في التقدم العلمي بكل شوق ورغبة.
أما الأب الجاهل ، الأب المهمل ... فإنه يفاجىء الصبي بعكس ما كان يتوقع. لا يقرأ كتابته ، وإذا قرأها فلا يستحسن ولا يثني عليه. وأشدّ من ذلك أن بعض الآباء يجبرون الاخفاق والفشل الذي يلاقونه خارج المنزل بالشدة والخشونة مع الزوجة والأطفال فيرزمون بالصبي الذي كله أمل ورجاء ، وبهذا يقتلون روح التقدم فيه ، ويحطمون شخصيته ، ويطفئون سراج أمله واطمئنانه.