الطفل بين الوراثة والتربية - الفلسفي، الشيخ محمد تقي - الصفحة ١٩١ - عقدة الحقارة
إن هذه اللحظة ولحظات أخر مثلها شديدة التأثير في الطفل من الوجهة التربوية ، فإن سلوك الوالدين السيء تجاه مواقف كهذا يترك أثراً سيئاً في نفسية الطفل.
إن الآباء والأمهات الواعين لا ينظرون في هذه الأحيان الطفل أصلاً ، ولا يعتنون بتوقعه العطف والحنان منهما ، ولا يعتبرون هذه الصدفة شيئاً ، وبذلك كله يفهمون الطفل عملياً أن الارتطام بالجدار ، والسقوط على الأرض ، وما يشبه ذلك حوادث اعتيادية في حياة الإنسان.
أما الآباء والأمهات الواعين لا يظهرون أي رد فعل للحادثة ، ولكنهم يستفيدون من تلك الفرصة فينصحون الطفل قائلين له : عندما تقترب من الجدار أو العمود ، تأخر قليلاً حتى لا ترتطم جبهتك بالحائط عندما تنحني.
أما الأباء والأمهات الغافلون فإنهم يظهورن في مثل هذه الحوادث حناناً مفرطاً ، فيضمون الطفل الى صدورهم ويقبلونه ، ويمسحون بأيديهم على جبهته أو ما تألم من أعضائه ، ويظهرون التأثر والتألم لما حدث للطفل وربما يضربون الأرض أو الجدار ترضيه للطفل ، فيبدي رد الفعل أمام كثرة ما يلاقيه من حب وحنان ، ويرفع صوته بالبكاء والعويل ، ويسكب الدموع ، ويرى نفسه أهلاً للحنان بالنسبة لما حدث له ... وعندما تتكرر محبة الوالدين الفارغة في حوادث أخر مشابهة لهذه الحادثة ، تتولد جذور الصفة الرذيلة ( الإعجاب بالنفس ) في ضمير الطفل تدريجياً ، ويكبر الطفل على الدلّ ، ويتوقع الحنان والمحبة لكل حدث حقير يقابله.
ينشأ الطفل مع هذا التوقع الخاطىء ، ويترك مرحلة الطفولة منتفلاً الى المراحل الأخرى من حياته ، ويقابل في المجتمع آلاماً كبيرة فلا يتحبب اليه أحد خلافاً لما كن يتوقعه ... حينذاك يتألم ، ويحس في نفسه بالدناءة ويصاب يعقدة الحقارة ، فيقضي حياته كلها بالتعاسة والشقاء.
إن محبة الوالدين التافهة هي التي أدت الى هذا المصير ... فشرّ الآباء من دعاه البر الى الإفراط.