الطفل بين الوراثة والتربية - الفلسفي، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٣٣٠ - تعديل الميول ـ الفرار من تعذيب الضمير
|
|
الماء فإن التمدن يجب أن يخضع الغرائز لسيطرة دقيقة ، وذلك ليبلغ بالانسان إلى الرقي والتكامل » [١]. |
إن أول نكتة يجب أن تسترعي انتباهنا في هذا المقام ، هي أن إرضاء جميع الميول النفسانية بصورة حرة وبلا قيد أو شرط أمر مستحيل. ذلك لأن تحقيق بعض الرغبات يتنافى مع إتيان الرغبات الأخرى ، وفي الواقع يوجد تناقض واضح بين كثير من ميول الانسان. لقد أوضح الامام علي عليهالسلام التناقض القائم بين بعض الميول والرغبات بعبارة قصيرة وحكيمه ، إنه يقول :
« ما أعجب أمر الانسان ، إن سنح له الرجاء أذله الطمع ، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص ، وإن ملكه اليأس قتله الأسف ، وإن سعد نسي التحفظ ، وإن ناله خوف حيره الحذر ، وإن اتسع له الأمن أسلمته الغيرة ، وإن جددت له النعمة أخذته الغزة ، وإن أصابته مصيبة فضحه الجزع ، وإن أفاد مالاً أطغاه الغنى ، وإن عضته فاقة شمله البلاء ، وإن جهده الجوع قعد به الضعف ، وإن أفرط في الشبع كظته البطنة ، فكل تقصير به مضر ، وكل إفراط به مفسد ، وكل خير معه شر ، وكل شيء له آفة » [٢].
فما أكثر الرغبات النفسية التي تدفع الانسان إلى الافراط في الاستجابة للغريزة الجنسية ، أو الطعام في حين أنه يتنافى مع الرغبة في الصحة ، وما أكثر اللذائذ التي يتطلبها الانسان من قبيل الخمرة والحشيشة ، في حين أنها تتضمن عوارض مختلفة ونتائج وخيمة تهدد حياة الانسان.
الوجدان والغرائز :
هناك نكتة أخرى يجب أن نتنبه لها ، وهي أن الحرية المطلقة للغرائز بلا قيد أو شرط تتنافى والوجدان الأخلاقي للبشر. فإن الذي يريد إرضاء جميع الميول بكل حرية ، ويحاول الاستجابة لرغباته وتحقيقها ، لا بد أن يكون منقاداً لغرائزه ، معرضاً بوجهه عن النداء السماوي والمقررات القيمة الصادرة من
[١] أنديشه هاى فرويد ص ٥١.
[٢] اداب النفس للعينائي ج ٢|١١١ ، نقلاً عن إرشاد المفيد ص ١٤٢.