الطفل بين الوراثة والتربية - الفلسفي، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٢٦١ - المعرفة الفطرية
المصنوع يحتاج إلى صانع ، والبناء يحتاج إلى بناء ، ان الوجدان الفطري الذي يربط بين الأثر والمؤثر طبيعي إلى درجة أن الطفل بمجرد أن يصبح قادراً على التكلم يسأل أمه باستمرار عن علل الحوادث المختلفة ، هذه الأسئلة ليست ذات صلة بالتفكير ولا ناجمة من المحاسبة العقلية ، لأنه لا يدرك المسائل العقلية بعد. وهكذا فان أكثر القبائل البشرية الوحشية تملك هذا الوجدان الفطري. يقول الشريف الرضي ( ره ) عند شرحه لبعض روايات الفطرة :
« وهذا يدلك على أن فطرة إبن آدم ملهمة معلمة من الله بأن الأثر دال دلالة بديهية على مؤثرة بغير ارتياب » [١].
ما أكثر الأفراد الذين استفادوا من كنز المعرفة الفطرية عندهم بفضل إيمانهم ووعيهم ، وتوصلوا إلى وجود الله الخالق الحكيم عن طريق التفكير والتدقيق في آية أو عدة آيات الهية ، ووقفوا خاضعين له في مقام العبودية مطيعين أوامره ونواهيه ... وعلى العكس فما أكثر الأفراد الذين لم يلتفتوا لنداء الفطرة المنبعث من أعماقهم وتجاهلوا الحقيقة ، ولم يتوفقوا لعبودية الله والخضوع له حتى يوماً واحداً ، طيلة حياتهم. وكذلك ما أكثر الأفراد الذين حاولوا إحياء المعرفة الفطرية في نفوسهم ، ولكنهم ضلوا عن الطريق المستقيم ، وعبدوا الجماد والنبات والحيوان ، أو الشمس والقمر والنجوم بدلاً من خالق الكون.
ولأجل أن يتضح معنى المعرفة الفطرية للسامعين الكرام أكثر نعقد مقارنة بين صنع الله وصنع البشر من حيث الدلالة على وجود الصانع ونتوصل ضمن المقارنة إلى بعض النتائج المفيدة.
إن القرآن الكريم يرى في الكون والموجودات كلها أنها صنع الله وتنظيمه ... « صنع الله الذي اتقن كل شيء » [٢]. إذن فالله تعالى هو صانع العالم وجميع الموجودات مصنوعة له.
[١] إثبات الهداة ج ١|١٠٣.
[٢] سورة النمل |٨٨.