الطفل بين الوراثة والتربية - الفلسفي، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٢٦٢ - المعرفة الفطرية
ولقد استعمل القرآن الكريم مادة ( الصنع ) بالنسبة إلى أعمال البشر أيضاً في عدة مواضع ، فقال في موضوع سفينة نوح : « ويصنع الفلك ... » [١]. وفي قصور فرعون والفراعنة يقول : « ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون » [٢]. وفي الأشياء السحرية التي صنعها سحرة مصر لمعاندة موسى « وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا » [٣]. وفي صنع داود للدروع : « وعلمناه صنعة لبوس » [٤].
إذن فان جميع الطائرات والسيارات والمعامل والآلات والآدوات وجميع ما كونه البشر يكون من صنع الانسان كما أن جميع ما في العالم صنع الله ، مع فارق واحد هو : أن الله يخلق المادة والصورة معاً ، بينما الانسان يصنع المادة التي خلقها الله بالصورة التي يريدها.
ومن هذه المقارنة بين صنع الله وصنع الانسان نصل إلى بعض النكات التي تتعلق بموضوع بحثنا وهي : ـ
١ ـ الأثر يدل على المؤثر :
يدرك الانسان بصورة فطرية أن لكل مصنوع صانعاً ، كما يدرك كل فرد ـ مثقفاً كان أو أمياً ، وحشياً أو متمدناً ـ أن للطائرة والسيارة صانعاً صنعهما ، وإن للعمارات الصغيرة والضخمة بانياً بناها ، ولقد كانت القبائل الوحشية تدرك هذا الموضوع أيضاً ، فعندما كان أحد يرى آثار أقدام إنسان أو حيوان في صحراء واسعة مغطاة بالثلوج ، كان يقطع بأن إنساناً أو حيواناً قد عبر من تلك المنطقة. وإذا صادف كوخاً صغيراً وسط صحراء قاحلة قائماً على بعض قطع الأخشاب والأشواك كان يحكم بوجود صانع لذلك الكوخ ، وبالنسبة إلى الكون الذي هو صنع الله تعالى يوجد في فطرة كل إنسان هذا النوع من الادراك. فعندما يشاهد شروق الشمس والقمر وغروبهما ، وعندما
[١] سورة هود |٣٨.
[٢] سورة الأعراف |١٣٧.
[٣] سورة طه |٦٩.
[٤] سورة الأنبياء |٨٠.