الخرائج و الجرائح - الراوندي، قطب الدين - الصفحة ٤١٦
قَالَ عَرِّسُوا[١] وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا.
فَتَعَجَّبْتُ مِنْ قَوْلِهِ وَ نَحْنُ فِي صَحْرَاءَ مَلْسَاءَ لَا نَرَى فِيهَا شَيْئاً نَسْتَرِيحُ إِلَيْهِ وَ لَا نَرَى مَاءً وَ لَا ظِلًّا قَالَ مَا لَكُمْ عَرِّسُوا فَابْتَدَرْتُ إِلَى الْقِطَارِ لِأُنِيخَ[٢] ثُمَّ الْتَفَتُّ إِذَا أَنَا بِشَجَرَتَيْنِ عَظيِمَتَيْنِ يَسْتَظِلُّ تَحْتَهُمَا عَالَمٌ مِنَ النَّاسِ وَ إِنِّي لَأَعْرِفُ[٣] مَوْضِعَهُمَا إِنَّهُ أَرْضٌ بَرَاحٌ قَفْرٌ[٤] وَ إِذَا أَنَا بِعَيْنٍ تَسِيحُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَعْذَبِ مَاءٍ وَ أَبْرَدِهِ فَنَزَلْنَا وَ أَكَلْنَا وَ شَرِبْنَا وَ اسْتَرَحْنَا وَ إِنَّ فِينَا مَنْ سَلَكَ ذَلِكَ الطَّرِيقَ مِرَاراً.
فَوَقَعَ فِي قَلْبِي ذَلِكَ الْوَقْتَ أَعَاجِيبُ وَ جَعَلْتُ أَحُدُّ النَّظَرَ إِلَيْهِ وَ أَتَأَمَّلُهُ طَوِيلًا وَ إِذَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ تَبَسَّمَ وَ زَوَى[٥] وَجْهَهُ عَنِّي.
فَقُلْتُ فِي نَفْسِي وَ اللَّهِ لَأَعْرِفَنَّ هَذَا كَيْفَ هُوَ فَأَتَيْتُ مِنْ وَرَاءِ الشَّجَرَةِ فَدَفَنْتُ سَيْفِي وَ وَضَعْتُ عَلَيْهِ حَجَرَيْنِ وَ تَغَوَّطْتُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَ تَهَيَّأْتُ لِلصَّلَاةِ.
فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ اسْتَرَحْتُمْ قُلْنَا نَعَمْ قَالَ فَارْتَحِلُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ فَارْتَحَلْنَا فَلَمَّا أَنْ سِرْنَا سَاعَةً رَجَعْتُ عَلَى الْأَثَرِ[٦] فَأَتَيْتُ الْمَوْضِعَ فَوَجَدْتُ الْأَثَرَ وَ السَّيْفَ كَمَا وَضَعْتُ وَ الْعَلَامَةَ وَ كَأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ ثَمَّ شَجَرَةً وَ لَا مَاءً وَ ظِلَالًا وَ لَا بَلَلًا فَتَعَجَّبْتُ [مِنْ ذَلِكَ][٧] وَ رَفَعْتُ يَدِي إِلَى السَّمَاءِ فَسَأَلْتُ اللَّهَ بِالثَّبَاتِ عَلَى الْمَحَبَّةِ وَ الْإِيمَانِ بِهِ وَ الْمَعْرِفَةِ مِنْهُ وَ أَخَذْتُ الْأَثَرَ وَ لَحِقْتُ الْقَوْمَ فَالْتَفَتَ إِلَيَّ أَبُو الْحَسَنِ ع وَ قَالَ
[١] عرس القوم: نزلوا من السفر للاستراحة، ثمّ يرتحلون.
[٢] القطار، بالكسر: قطار الإبل، و هو عدد على نسق واحد.
و أناخ الجمل: أبركه.
[٣]« و كنت أعرف» ه، س و اثبات الهداة.
[٤] البراح: المتسع من الأرض لا شجر فيه و لا بناء.
و القفر: الخلاء من الأرض لا ماء فيه، و لا ناس، و لا كلا.
[٥] زوى وجهه: نحاه. و في ه، س و اثبات الهداة« طوى».
[٦] أي في الحال. و في م، ط:« الى الاثر».
[٧] من البحار.