الخرائج و الجرائح - الراوندي، قطب الدين - الصفحة ٢٠٤
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ ص إِلَى غَزَاةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ جَنَبَ[١] عَنِ الطَّرِيقِ وَ أَدْرَكَهُ اللَّيْلُ فَنَزَلَ بِقُرْبِ وَادٍ وَعِرٍ.
فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ هَبَطَ جَبْرَئِيلُ عَلَيْهِ يُخْبِرُهُ أَنَّ طَائِفَةً مِنْ كُفَّارِ الْجِنِّ قَدِ اسْتَبْطَنُوا الْوَادِيَ يُرِيدُونَ كَيْدَهُ وَ إِيقَاعَ الشَّرِّ بِأَصْحَابِهِ عِنْدَ سُلُوكِهِمْ إِيَّاهُ.
فَدَعَا عَلِيّاً ع وَ قَالَ لَهُ اذْهَبْ إِلَى هَذَا الْوَادِي فَسَيَعْرِضُ لَكَ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ الْجِنُّ مَنْ يُرِيدُكَ فَادْفَعْهُ بِالْقُوَّةِ الَّتِي أَعْطَاكَ اللَّهُ وَ تَحَصَّنْ مِنْهُ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ الَّذِي خَصَّكَ بِعِلْمِهَا وَ أَنْفَذَ مَعَهُ مِائَةَ رَجُلٍ مِنْ أَخْلَاطِ النَّاسِ فَقَالَ لَهُمْ كُونُوا مَعَهُ وَ امْتَثِلُوا أَمْرَهُ.
فَتَوَجَّهَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع إِلَى الْوَادِي فَلَمَّا قَارَبَ شَفِيرَهُ[٢] أَمَرَ الْمِائَةَ الَّذِينَ صَحِبُوهُ أَنْ يَقِفُوا بِقُرْبِ الشَّفِيرِ وَ لَا يُحْدِثُوا شَيْئاً حَتَّى يَأْذَنَ لَهُمْ ثُمَّ تَقَدَّمَ فَوَقَفَ عَلَى شَفِيرِ الْوَادِي وَ تَعَوَّذَ بِاللَّهِ مِنَ الْأَعْدَاءِ وَ سَمَّى اللَّهَ وَ أَوْمَأَ إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ أَنْ يَقْرُبُوا مِنْهُ فَقَرُبُوا وَ كَانَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَهُ غَلْوَةٌ[٣] ثُمَّ رَامَ الْهُبُوطَ فَاعْتَرَضَتْ رِيحٌ عَاصِفٌ كَادَ أَنْ يَقَعَ الْقَوْمُ عَلَى وُجُوهِهِمْ لِشِدَّتِهَا وَ لَمْ تَثْبُتْ عَلَى الْأَرْضِ أَقْدَامُهُمْ مِنْ هَوْلِ مَا لَحِقَهُمْ.
فَصَاحَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع أَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَصِيُّ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ ابْنُ عَمِّهِ اثْبُتُوا إِنْ شِئْتُمْ.
فَظَهَرَ لِلْقَوْمِ أَشْخَاصٌ عَلَى صُورَةِ الزُّطِّ وَ هُمُ الزِّنْجُ يُخَيَّلُ فِي أَيْدِيهِمْ شُعَلُ النَّارِ قَدِ اطْمَأَنُّوا بِجَنَبَاتِ الْوَادِي فَتَوَغَّلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع بَطْنَ الْوَادِي وَ هُوَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَ يَوْمِي بِسَيْفِهِ يَمِيناً وَ شِمَالًا فَمَا لَبِثَ الْأَشْخَاصُ حَتَّى صَارَتْ كَالدُّخَانِ الْأَسْوَدِ وَ كَبَّرَ عَلِيٌّ ع ثُمَّ صَعِدَ مِنْ حَيْثُ انْهَبَطَ فَقَامَ مَعَ الْقَوْمِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ حَتَّى أَسْفَرَ[٤] الْمَوْضِعُ عَمَّا اعْتَرَاهُ.
[١] جنب: مال.
[٢] الشفير: ناحية كل شيء.
[٣] الغلوة: قدر رمية بسهم.
[٤]« أصفر» البحار: ٣٩.