منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٤٢ - الثالث - في الغراب
و هو إما حالك السّواد شديد الاحتراق، و يكون مثله في النّاس الزنج فانّهم شرار الخلق تركيبا و مزاجا كمن بردت بلاده و لم تنضجه الأرحام أو سخنت بلاده فأحرقته الأرحام، و إنما صارت عقول أهل بابل فوق العقول و كمالهم فوق الكمال لأجل ما فيها من الاعتدال، فالغراب الشديد السّواد ليس له معرفة و لا كمال.
و الغراب الأبقع كثير المعرفة و هو اللئيم من الأسود.
و غراب البين الأبقع قال الجوهري: هو الذي فيه سواد و بياض، و قال صاحب المجالسة: سمّي الغراب البين لأنه بان عن نوح ٧ لما وجّهه لينظر إلى الماء فذهب و لم يرجع، و لذلك تشأموا به.
و قال صاحب منطق الطير: الغربان جنس من الأجناس التي امر بقتلها في الحلّ و الحرم من الفواسق، اشتقّ لها ذلك الاسم من اسم إبليس لما يتعاطاه من الفساد الذي هو شأن إبليس، و اشتقّ ذلك أيضا لكلّ شيء اشتدّ أذاه، و أصل الفسق الخروج عن الشيء، و في الشرع الخروج عن الطاعة.
و قال الجاحظ: غراب البين نوعان: أحدهما غراب صغير معروف باللّوم و الضعف و أمّا الاخر فانّه ينزل في دور النّاس و يقع على مواضع اقامتهم إذا ارتحلوا عنها و بانوا منها، فلما كان هذا الغراب لا يوجد إلّا عند بينونتهم عن منازلهم اشتقّوا له هذا الاسم من البينونة.
و قال المقدسي: هو غراب أسود ينوح نوح الحزين المصاب و ينعق بين الحلال «الخلّان» و الأحباب، و إذا رأى شملا مجتمعا انذر بشتاته، و إن شاهد ربعا عامرا بشّر بخرابه و دروس عرصاته، يعرّف النازل و الساكن بخراب الدّور و المساكن، و يحذّر الاكل غصّة الماكل، و يبشّر الراحل بقرب المراحل، ينعق بصوت فيه تحزين، كما يصيح المعلن بالتأذين، و أنشد على لسان حاله:
|
أنوح على ذهاب العمر منّى |
و حق أن أنوح و أن أنادى |
|
|
و أنذر كلّما عاينت ركبا |
حدا بهم لو شك البين حادى |
|