منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٤٢ - المعنى
في جانب و يدور على الأربعة الباقية، و لو كانت جميعها في صفّ واحد لم يحصل بها تمام الغرض، فوضعها بحيث إن بسطتها كانت لك مجرفة، و إن ضممتها كانت مغرفة، و إن جمعتها كانت آلة للضرب، و إن نشرتها ثمّ قبضتها كانت لك آلة في القبض.
ثمّ خلق لها أظفارا لتصون رءوس الأصابع من التفتّت، و لتلتقط بها الأشياء الدقيقة الّتي لا تحويها الأصابع فتأخذها برءوس أظفارك.
فاذا أخذت بها الطعام فلا ينفعك الأخذ إلّا إذا أمكنك ايصاله إلى المعدة، و هي في الباطن فلا بدّ و أن يكون في الظاهر دهليز إليها حتّى يدخل الطعام منه، فلا ينفعك منه.
فجعل الفم منفذا إلى المعدة مع ما فيه من الحكم الكثيرة وراء كونه منفذا للطعام إلى المعدة.
ثمّ إذا وضعت الطعام في الفم و هو قطعة فلا يتيسّر لك ابتلاعه حتّى تطحن فخلق لك اللّحيين من عظمين و ركّب فيهما الأسنان و طبق الأضراس من العليا على السفلي لتطحن بهما الطعام طحنا.
ثمّ الطعام تارة يحتاج إلى الكسر و تارة إلى القطع، ثمّ إلى الطحن بعد ذلك، فقسّم الأسنان إلى عريضة طواحن كالأضراس، و إلى حادّة قواطع كالرباعيات، و إلى ما يصلح للكسر كالأنياب.
ثمّ جعل مفصل اللّحيين متخلخلا بحيث يتقدّم و يتأخر حتىّ يدور على الفكّ الأعلى دوران الرّحى، و لو لا ذلك لما تيسّر إلّا ضرب أحدهما على الاخر مثل تصفيق اليدين و لا يتحصّل به الطحن، فجعل اللّحي الأسفل متحرّكا حركة دوريّة و اللّحى الأعلى ثابتا لا يتحرّك عكس الرّحى الذى يصنعه المخلوق، فانّ الحجر الأسفل منه يسكن و الأعلى يتحرّك.
ثمّ إنّك إذا وضعت الطعام في فضاء الفم فهو يحتاج إلى التصريف و التقليب و الحركة من جانب إلى جانب، و لا يمكن أن يكون حركته باليد و هو في داخل الفم، فأنعم اللّه سبحانه بخلق اللسان، فانّه يطوف في جوانب الفم و يردّ الطعام