منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٦٨ - الفايدة الثالثة
في أداء ما سيق الكلام لأجله، و أنها في التحذير و التنفير عن الكبر و التهديد و التوعيد و الطرد و الابعاد للمستكبرين كلام ليس فوقه كلام، بل إن أمعنت النظر فيها يظهر لك أنها تالى سورة البراءة، و ما أشبهها بها.
فانّها كما سيقت من أوّلها إلى آخرها لأجل تقريع الكفار و المنافقين و الكشف عن فضايحهم و الافضاح عن مخازيهم و مقابحهم، و افتتحت باظهار البراءة منهم و لأجل ذلك لم تصدّر بالبسملة، لأنّ بسم اللّه للأمان و الرّحمة، و هذه السورة نزلت لرفع الامان بالسّيف، و فاتحتها تشهد بخاتمتها.
فكذلك هذه الخطبة من بدئها إلى ختمها ترهيب و تهويل و تهديد و توعيد و تخويف و تزيد على ذلك حسنا و رواء أن راعى فى مطلعها صناعة براعة الاستهلال فقال:
استعاره مكنيّة- استعاره تخييلية- استعاره تبعية (الحمد للّه الّذى لبس العزّ و الكبرياء) و هو من باب الاستعارة المكنيّة تشبيها للعزّ و الكبرياء باللّباس فيكون ذكر اللّبس تخييلا، و الجامع أنّ اللباس كما يحيط بلابسه فكذلك العزّ و الكبرياء لما كانا محيطين بذاته أى كان ذاته غير فاقد لهما، بل هما عين ذاته لكونهما من صفات الذات فشبّها باللباس الّذى يتلبّس به لابسه.
و يجوز أن يجعل من باب الاستعارة التبعية بأن يستعار اللّبس للاتّصاف، فيكون نسبته إلى العزّ و الكبرياء قرينة للاستعارة، و الجامع أنّ اللباس كما يكون مختصّا بلابسه و به يعرف و يتميّز، فكذلك هذان الوصفان لما كانا مخصوصين بذاته سبحانه استعار لاتّصافه بهما لفظ اللّبس.
و معنى العزّ هو الملك و القدرة و الغلبة و العزيز من أسمائه الحسنى قال الصّدوق:
هو المنيع الّذى لا يغلب، و هو أيضا الّذى لا يعادله شيء و أنه لا مثل له و لا نظير و قد يقال للملك كما قال اخوة يوسف: يا ايّها العزيز، أى يا أيّها الملك.
و قال الطبرسى: العزيز القادر الذى لا يصحّ عليه القهر، و الكبرياء هو السلطان القاهر و العظمة القاهرة و العلوّ و الرفعة، هذا.
و انما قلنا إنّ العزّ و الكبرياء من صفات الذّات، لأنّ صفة الذات ما لا يصحّ