منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٧٣ - الفايدة الثالثة
و لما قصّ قصة إبليس أمر المخاطبين بالنظر فيما آل اليه أمره و أثمره كبره ليحذروا من اقتفاء أثره، و يجتنبوا من سلوك سننه فقال:
(ألا ترون كيف صغره اللّه بتكبره و وضعه بترفعه) و تجبّره (فجعله في الدّنيا) مذموما (مدحورا) و قال فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَ إِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ (و أعدّ) اللّه (له في الاخرة سعيرا) و قال لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَ مِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ثمّ نبّه على نكتة خلقة آدم ٧ من الطين بقوله (و لو أراد اللّه سبحانه أن يخلق آدم ٧ من نور يخطف الأبصار) أى يسلبها و يأخذها (ضياؤه و يبهر العقول رواؤه) أى يغلبها حسن منظره (و طيب يأخذ الأنفاس عرفه) أى ريحه و عطره (لفعل) لأنه أمر ممكن مقدور و هو سبحانه على كلّ شيء قدير (و لو فعل) ذلك (لظلّت الأعناق خاضعة له و لخفت البلوى فيه على الملائكة) يعنى أنه سبحانه لو أراد أن يخلق آدم في بدء خلقته من نور باهر يخطف سنا برقه بالأبصار لكان مقدورا له سبحانه، و لو خلقه كذلك لصارت أعناق الملائكة و ابليس خاضعة منقادة له، و يسهل عليهم الامتحان في سجود آدم ٧ و لم يشق عليهم تحمل ذلك التكليف، و لساغ لهم السجود له و طاب أنفسهم به لما رأوا من شرف جوهره و علوّ مقامه و فضل خلقته، لأنّ الشريف جليل القدر إنما يأبى و يستنكف من الخشوع و الخضوع لمن هو دونه، و لذلك قال ابليس اللعين خلقتني من نار و خلقته من طين، و أما من كان أصله مناسبا لأصله و مقارنا له في الشرف أو أعلى رتبة منه فلا، و خفّ حينئذ البلوى.
(و لكن اللّه سبحانه) لم يرد ذلك و لم يتعلّق مشيّته بخلقه من نور وصفه كيت كيت، و إنما خلقه من طين و صلصال من حماء مسنون ليصعب تحمّل التكليف سجوده و يثقل حمله، فيتميّز بذلك المحسن من المسىء و المطيع من العاصى، و يستحقّ المطيع له على ثقله مزيد الزلفى و الثواب لكون اطاعته عن محض الخلوص و التعبّد و التسليم و الانقياد، و يستحقّ العاصى لأليم العقاب لأجل كشف عصيانه عن كونه