منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٠٢ - المعنى
غثا) أى رثيثا مهزولا قال الشارح البحراني و السمين و الغثّ يحتمل أن يريد بهما الحقيقة، و يحتمل أن يكنّى به، عمّا كثر من لذّاتها و خيراتها و تغيّر ذلك بالموت و الزوال.
أقول: لا وجه لجعل الاحتمال الثاني فى مقابل الاحتمال الأوّل قسيما له، بل هما كنايتان و لا ينافيها إرادة الحقيقة لما قد مرّ في ديباجة الشرح من أنّ الكناية استعمال اللفظ في غير ما وضع له مع جواز إرادة ما وضع له.
ثمّ الظاهر إنّهما كنايتان عمّا عليه أهل المحشر من كون أجسادهم شحبة بعد بضّتها و عظامهم و هنة بعد قوّتها لشدّة ما عاينوه من الأهوال و الشدائد.
و قوله (في موقف ضنك المقام) أى صار جديدها و سمينها رثا و غثا في موقف القيامة، و وصفه بالضنّك و الضيق لكثرة الخلايق و مزيد ازدحامهم فيه «قل إنّ الأوّلين و الاخرين لمجموعون الى ميقات يوم معلوم».
أو لصعوبة الوقوف به و طوله مع تراكم الدّواهى و الأهاويل العظيمة و عدم إمكان المخلص منها فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ وَ خَسَفَ الْقَمَرُ وَ جُمِعَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ كَلَّا لا وَزَرَ إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ.
(و امور مشتبهة عظام) أراد بها أهاويلها العظيمة الملتبسة التي أوجبت التحيّر في وجه الخلاص منها و النجاة عنها، فهم فيها تائهون هائمون حائرون.
و إن شئت أن تعرف تفصيل ما تضمّنه هاتان الفقرتان من هول موقف القيامة و ضيق مقامها و مزيد زحامها و زيادة شدّتها و طول مدّتها و التباس امورها فعليك بما يتلي عليك من أنبائها.
فنقول: إنّ يوم القيامة يوم عظيم شأنه، مديد زمانه، قاهر سلطانه، يوم ترى السماء فيه قد انفطرت، و الكواكب من هوله قد انتثرت، و النجوم الزواهر قد انكدرت، و الشمس قد كوّرت، و الجبال قد سيّرت، و العشار قد عطّلت، و الوحوش قد حشرت، و البحار قد سجّرت، و النفوس مع الأبدان قد زوّجت، و الجحيم قد سعّرت، و الجنّة قد ازلفت، و الأرض قد مدّت.