منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٧٤ - المعنى
المعني المراد.
فان قلت: إذا زيفت جميع ما ذكروه فما ذا عندك فى هذا المقام و ما الّذى أراده بهذا الكلام و ما المعنى المناسب السليم من النقض و الابرام؟
قلت: الّذى اهتديت اليه بنور التوفيق و أدّى إليه النظر الدقيق.
أنّه لما كان عالما بما يظهر بعده من الفتن و الملاحم أراد من باب اللطف أن يرشد المخاطبين إلى ما هو أصلح لهم عند ظهورها، و أوفق بانتظام امورهم عاجلا و آجلا، فأمرهم بأن يسألوه قبل أن يفقدوه و قبل أن يظهر تلك الفتن حتّى يهتدوا بسؤاله ٧ إلى وجوه مصالحهم فيها، و علّل ذلك بكونه أكمل علما بطرق السماء من طرق الأرض.
و فهم معنى هذه العلّة وجهة ارتباطها بالمعلول يحتاج إلى تمهيد مقدّمة و هى:
أنّ جميع ما يجرى فى عالم الملك و الشهادة من المقضيات و المقدرات فهو مثبت في عالم الأمر و الملكوت، مكتوب في امّ الكتاب بالقلم الربّاني كما قال جلّ و عزّ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ و قال وَ ما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ و ظهورها في هذا العالم مسبوق بثبوتها في ذلك العالم، و إليه الاشارة في قوله سبحانه وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ فالخزائن عبارة عما كتبه القلم الأعلى أوّلا على الوجه الكلّى فى لوح القضاء المحفوظ عن التبديل الّذى يجري منه ثانيا على الوجه الجزئي فى لوح القدر الّذى فيه المحو و الاثبات مدرجا على التنزيل، فالى الأوّل أشير بقوله وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ و بقوله وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ و إلى الثاني بقوله وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ و منه تنزل و تظهر في عالم الشهادة.
إذا عرفت ذلك فأقول: إنه ٧ أراد بطرق السماء مجارى الأمورات المقدّرة و مسالكها نازلة من عالم الأمر بتوسّط المدبّرات من الملائكة المختلفين بقضائه و أمره إلى عالم الشهادة، و بطرق الأرض مجارى تلك الامور في ذلك العالم و محالّ