منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٧٢ - المعنى
و أقول هنا: إنّ أمره للمخاطبين بالمسألة في كلّ موقف و مكان و كلّ وقت و زمان مع عدم تقييد المسئول عنه بشيء مخصوص يدلّ على غزارة علمه و أنه البحر الذى لا يساحل، و الحبر الّذي لا يطاول، و أنّه عالم بجميع العلوم و فارس ميدانها و سابق حلباتها و حائز قصبات رهانها و مبيّن غوامضها و صاحب بيانها، و الفارس المتقدّم عند احجام فرسانها و تأخر أقرانها، و أنّه فيها كلّها قد بلغ الغاية القصوى و فضل فيها جميع الورى، فاسمع به و أبصر فلا نسمع بمثله غيره و لا ترى، و اهتد إلى اعتقاد ذلك بناره فما كلّ نار اضرمت نار قرى و لنعم ما قيل:
|
قال اسألونى قبل فقدى ذوا |
ابانة عن علمه الباهر |
|
|
لو شئت اخبرت عما قد مضى |
و ما بقى في الزمن الغابر |
|
و يكفى في ايضاح ذلك قوله: علّمنى رسول اللّه ٦ من العلم ألف باب فانفتح لى من كلّ باب ألف باب، فاذا كان المعلم المؤدب رسول اللّه ٦ و هو أكمل العالمين و أعلاهم فى درجات العرفان و اليقين و التلميذ المتعلّم أمير المؤمنين ٧ و هو في الفطنة و الذكاء أفضل البارعين، فيحقّ له أن يبلغ أقصى غايات الكمال، و ينال نهايات معارج العلم و المعرفة، و يتمكّن من قول سلونى قبل أن تفقدونى.
(فلأنا بطرق السماء أعلم منّى بطرق الأرض) و قد ضمن بعض الشعر ذلك و قال:
|
و من ذا يساميه بمجد و لم يزل |
يقول سلونى ما يحلّ و يحرم |
|
|
سلونى ففى جنبى علم ورثته |
عن المصطفى ما فات منّى به الفم |
|
|
سلونى عن طرق السماوات إننى |
بها عن سلوك الطرق في الأرض أعلم |
|
|
و لو كشف اللّه الغطا لم أزد به |
يقينا على ما كنت أدرى و أفهم |
|
قال الشارح المعتزلي: المراد بقوله ذلك ما اختصّ به من العلم بمستقبل الامور و لا سيّما فى الملاحم و الدّول قال: و قد تأوّله بعضهم على وجه آخر قالوا:
أراد أنا بالأحكام الشرعية و الفتاوى الفقهيّة أعلم منى بالامور الدّنيويّة، فعبّر عن تلك بطرق السماء لأنها أحكام إلهية، و عبّر عن هذه بطرق الأرض لأنها الامور