منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٥٩ - المعنى
في سورة الدّخان.
و اختلف في معناها على وجوه:
أحدها أنّه لم تبك عليهم أهل السّماء و أهل الأرض، لأنهم لا يستحقون أن يتأسّف عليهم أحد و يحزن لفقدهم، و كأنهم توقعوا ذلك لعزّتهم و رفعة درجتهم في نظرهم.
الثّاني أنّه ما بكى عليهم المؤمنون من أهل الأرض و لم يبك عليهم أهل السّماء كما يبكون على فقد الصالحين، لأنّ هؤلاء مسخوط عليهم، و هو قريب من الوجه الأوّل.
الثّالث أنّه سبحانه أراد المبالغة في وصف القوم بصغر القدر، فانّ العرب إذا أخبرت عن عظم المصاب بالهالك قالت: بكاه السّماء و الأرض، و أظلم لفقده الشمس و القمر، قال جرير يرثى عمر بن عبد العزيز:
|
فالشّمس طالعة ليست بكاسفة |
تبكى عليك نجوم اللّيل و القمر |
|
أى ليست مع طلوعها كاسفة نجوم اللّيل و القمر لأنّ عظم المصيبة قد سلبها ضوءها، و قال النابغة:
|
تبدو كواكبه و الشّمس طالعة |
لا النور نور و لا الاظلام اظلام |
|
الرابع أن يكون ذلك كناية عن أنّه لم يكن لهم في الأرض عمل صالح يرفع منها إلى السّماء، و قد روى عن ابن عبّاس أنّه سئل عن هذه الاية فقيل:
و هل يبكيان على أحد؟ قال: نعم مصلّاه في الأرض، و مصعد عمله في السّماء، و روى عن أنس عن النّبيّ ٦ ما من مؤمن إلّا و له باب يصعد منه عمله و باب ينزل منه رزقه، فاذا مات بكيا عليه.
قال الطبرسي: على هذا يكون معنى البكاء الاخبار عن الاختلال بعده، قال مزاحم العقيلي:
|
بكت دارهم من أجلهم فتهلّلت |
دموعى فأىّ الجازعين ألوم |
|
|
أ مستعبرا يبكى من الهون و البلى |
أم آخر يبكى شجوه و يهيم |
|
و قوله: و ما كانوا منظرين، أى عوجلوا بالعقوبة و لم يمهلوا، نسأل اللّه سبحانه أن يوفقنا التوبة قبل حلول الفوت، و للانابة قبل نزول الموت، و أن لا يجعلنا في زمرة