منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٥٤ - الفصل الخامس
التّمحيص و البلاء، أ لم يكونوا أثقل الخلائق أعباء، و أجهد العباد بلاء و أضيق أهل الدّنيا حالا، اتّخذتهم الفراعنة عبيدا فساموهم سوء العذاب و جرّعوهم جرع المرار، فلم تبرح الحال بهم في ذلّ الهلكة، و قهر الغلبة، لا يجدون حيلة في امتناع، و لا سبيلا إلى دفاع.
حتّى إذا رأى اللّه جدّ الصّبر منهم على الأذى في محبّته، و الاحتمال للمكروه من خوفه، جعل لهم من مضائق البلاء فرجا، فأبدلهم العزّ مكان الذّلّ، و الأمن مكان الخوف، فصاروا ملوكا حكّاما، و أئمّة أعلاما، و بلغت الكرامة من اللّه لهم ما لم تذهب الامال إليه بهم.
فانظروا كيف كانوا حيث كانت الأملاء مجتمعة، و الأهواء مؤتلفة «متّفقة خ»، و القلوب معتدلة، و الأيدي مترادفة، و السّيوف متناصرة، و البصائر نافذة، و العزائم واحدة.
أ لم يكونوا أربابا في أقطار الأرضين، و ملوكا على رقاب العالمين فانظروا إلى ما صاروا إليه في آخر أمورهم حين وقعت الفرقة، و تشتّتت الالفة، و اختلفت الكلمة و الأفئدة، و تشعّبوا مختلفين، و تفرّقوا متحاربين، قد خلع اللّه عنهم لباس كرامته، و سلبهم غضارة نعمته، و بقي قصص أخبارهم فيكم، عبرا للمعتبرين منكم.