بحوث فى علم النفس الفلسفي - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ١٦٣ - أقسام الفناء
عداه تعالى ظهورات وأظلال تدلّ عليه تعالى.
وأما التوحيد الأفعالي عند العارف فيتحقّق بوصوله إلى مقام لا يجد عنده فعلًا إلا وهو مستهلك في فعله تعالى فيرى الله أوّلًا ثمّ يرى الفعل ظلًّا له، لا أنّه يرى الفعل ثمّ يرى الله عزّوجلّ؛ إذ هو على كلّ شيءٍ شهيد أي مشهود. كيف لا ولم يعرفْ أحدٌ شيئاً إلّا بالله، فالمعروف أوّلًا هو الله تعالى ثمّ ثانياً الشيء: يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ[١]، فإذا التفت الإنسان إلى نفسه فإنّه يعرفها بعد أن يكون قد عرف ربَّه، لذا فأوّل مرتبة من مراتب الفناء هو أن لا يرى السالك إلى الله فعلًا إلّا وينسبه أوّلًا إليه تعالى ثمّ لنفسه بحولٍ منه تعالى وقوّة، فيكون مصداقاً لقوله تعالى: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ...[٢]، وهذا مفاد نظرية الأمر بين الأمرين.
وأما التوحيد الصفاتي عند أهل المعرفة فإن العارف لا يرى كمالًا ولا
جمالًا ولا صفةَ حُسن إلّا ويراها صفة له تعالى، فالتقوى عندهم في هذا المقام هو أنْ يتّقي العارف نسبة أيّ صفة حسنة إليه لأنّه مختصّ به تعالى، وهي مرتبة عليا لا يصل إليها إلّا كلّ ذي حظّ عظيم.
ومن ثم فالفناء ليس على شاكلة واحدة، بل له درجات، فتارة يكون في الذات فهو المحق هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ[٣]، وأخرى
[١] - الأنفال: ٢٤.
[٢] - الأنفال: ١٧.
[٣] - الحشر: ٢٢.