بحوث فى علم النفس الفلسفي - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ١٥٧ - المرتبة الرابعة العقل المستفاد
لفتة: طبيعة المادّة تفرض على صاحبها الانشغال، وهذا قانون سارٍ على كلّ مادّي ومادّة، وهو قانون التزاحم، فإذا انشغل إنسان هذه النشأة بشيء فإنّ هذا الانشغال يصرفه عنْ غيره، وأما في غير هذا العالم فلا يكون الانشغال بشيء صارفاً عن غيره، إذ كلّ شيء حاضرٌ عنده حضوراً وجودياً لا ذهنياً صورياً، فإذا قلنا إنّ الإنسان الكامل في هذه النشأة ذو مرتبة مادّية فإن كانت محكومةً لهذا القانون فيشغله شأن عن شأن، وأما إذا قلنا إنّها غير محكومة فهذا خلف مادّيتها؛ لأنّ طبيعة المادّة واحدة.
لكن المصنّف (رحمه الله) ذهب مذهباً واضحاً في ذلك فأشار إلى أنّ العقل لكي يكون مستفاداً لا يشترط في ذلك أن يكون
مستفاداً بالنسبة لكلّ المدركات، بل يمكن أن يكون كذلك مع بعضها دون بعضها الآخر، ومرجع هذا إلى شدّة النفس وقوّتها، فالنفوس التي اشتدّت وقويت بدرجة لا يشغلها شأن عن شأن تجاوزت مرحلة النفس إلى العقل ولا تزاحم في العقل كما في المادّة والخيال حتّى تكون صورة عقلية شاغلة عن أخرى. ألا ترى عليّاً ٧ لمّا تطوّع بخاتمه فإنّ هذا لم يشغله عن الحضور راكعاً بين يد خالقه تبارك وتعالى، وأما النفوس التي هي دون ذلك فإنّها لا تنشغل بشأن عن شأن ولكن بدائرة أضيق من تلك الدائرة المشار إليها سابقاً.
العلاقة بين العقلين: بعد أن اتّضح من خلال ما تقدّم ومن خلال تعريف المعلّم الثاني والشيخ وصاحب المحاكمات أن لا اختلاف نوعياً بين العقل النظري والآخر العملي وإنما الاختلاف بالمدرَكات،