فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٨٠ - الفص السادس
و لهذا التفسير نظير في رأي الأشاعرة في خلق العبد لأفعاله، و هو قريب أيضاً من رأى ملبرانش في صدور الأفعال الإنسانية و غيرها، و من النظرية الفلسفية التي تُعرف في العصر الحديث باسم نظرية الظروف أو المناسبات Occasionalism : و معناها أن كل فعل إنما هو في الحقيقة للَّه، و لكنه يظهر على نحو ما يظهر إذا تحققت ظروف خاصة- إنسانية أو غير إنسانية- حتى لكأنما يخيل إلينا أن الظروف هي التي أوجدته، و في الحقيقة لم يوجده سوى اللَّه.
و قد يقال: و لِمَ خُص «العارف» بهذا في نظرية ابن عربي و هو ميسور لكل إنسان، بل لكل موجود، إذ يُجري الحق على أيدي الموجودات ما يشاء و يفعل ما يريد بوساطتها؟ و الجواب على هذا أن الخلق الانساني يحتاج إلى جمعية الهمة: أي التوجه التام بقوى الإنسان الروحية في أعلى مظاهرها و أصفى حالاتها، إلى خلق ما يريد خلقه أو تغيير ما يراد تغييره. و لا يتسنى ذلك إلا للعارف أو الإنسان الكامل كما يُسمى أحياناً. و لعل هذا هو المعنى الذي أشار إليه ابن عربي في قوله في الفص الخامس عشر:
«و هذه مسألة لا يمكن أن تعرف إلا ذوقاً كأبي يزيد حين نفخ في النملة التي قتلها فحييت فعلم عند ذلك بمن ينفخ فنفخ». و قوله في الفص السادس عشر:
«و إنما قلنا ذلك لأنا نعرف أن أجرام العالم تنفعل لهمم النفوس إذا أقيمت في مقام الجمعية و قد عاينا ذلك في هذا الطريق».
و الوجه الثاني في فهم خلْق العارف هو الذي يشرحه المؤلف في عرض كلامه عن الحضرات الخمس. و هنا يفسر أيضاً كيف يحفظ العارف ما خلق من الأشياء.
كل ما هو موجود إنما يوجد في حضرة أو أكثر من حضرة من الحضرات الخمس التي هي حضرة الغيب المطلق- أو حضرة الذات- و حضرة العقول، و حضرة الأرواح، و حضرة المثال، و حضرة الحس. و قد سمَّى شراح الفصوص هذه الحضرات أو هذه العوالم بأسماء مختلفة، و لكن لا أثر لهذا الاختلاف في