فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٧٨ - الفص السادس
بعض صور الحق إذا تجلت لها في نومها أو في يقظتها. و بعضها يقبل هذه الصور إذا التمس لها دليلًا من الشرع: فيقبلون الصور المجردة البحتة و يقبلون الصور المتخيلة. و هو قوله:
|
«فيقبل في مجرى العقول و في الذي |
يسمى خيالًا ....» |
|
و لكن أهل الكشف الذين يشير إليهم باسم «النواظر» و يشاهدون الحق في كل شي ء و يقبلونه في كل صورة هم وحدهم الذين يدركون الأمر على حقيقته.
فأهل الكشف أصحاب الذوق يرون اللَّه في كل شي ء و يعبدونه في كل مجلى و تتسع قلوبهم لكل صورة من صوره. أ لا يقول الحديث القدسي: «ما وسعني أرضي و لا سمائي و لكن وسعني قلب عبدي المؤمن»؟ هذه هي سعة قلب المؤمن في مذهب وحدة الوجود: لا يسع إلا الحق لأنه يشاهد الحق في كل صورة ترد عليه، و لا يشاهد هذه الصور أبداً من حيث هي صور أو من حيث هي خلق، و لا يحسّ لها من هذه الناحية وجوداً. و لهذا قال في الأبيات التالية:
|
لو أن ما قد خلق اللَّه ما |
لاح بقلبي فجره الساطع |
|
أي لو أن جميع ما خلق اللَّه كان موجوداً بقلبي ما شعرت بنوره الساطع و هو وجوده لأنني لا أشعر إلا بوجود الحق. و في البيت تقديم و تأخير تقديره ما ذكرت.
(٨) «و العارف يخلق بالهمة ما يكون له وجود من خارج محل الهمة».
(٨) من وظيفة القوة المتخيلة الخلق و الابتكار، فهي تخلق من الأشياء ما لا وجود له إلا فيها، و هذا أمر عام يدركه كل إنسان من نفسه. و لكن ابن عربي يتكلم عن قوة أخرى لا وجود لها إلا في «العارف» يسميها «الهمة» تستطيع أن تخلق أموراً وجودية خارجة عن محلها: أي أن العارف يستطيع أن يخلق أشياء- لا في خياله و لا في خيال غيره كما يفعل السحرة و المشعوذون- بل في العالم الخارجي.