فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٧٩ - الفص السادس
و لكننا قد ذكرنا مراراً أن «عملية الخلق» لا مكان لها و لا معنى في مذهب يقول بوحدة الوجود، و بيَّنَّا في مناسبات كثيرة أن ابن عربي لا يفهم من خلق اللَّه للأشياء أكثر من أنه يمنح الوجود الخارجي للأعيان التي لها وجود بالعمل في العالم المعقول- أو بعبارة أخرى- إن الدور الذي يقوم به الخالق في الخلق هو أن يجعل ما هو موجود بالقوة موجوداً بالفعل و لكن في ذاته. أما الخلق بمعنى الإيجاد من العدم فأمر غير معقول و غير ممكن في نظره. يقول:
|
يا خالق الأشياء في نفسه |
أنت لما تخلقه جامع |
|
|
تخلق ما لا ينتهي كونه |
فيك فأنت الضيق الواسع |
|
إذا كان الأمر كذلك بالنسبة لخلق اللَّه الأشياء، فما معنى نسبة قوة خالقه إلى العارف أو إلى أي إنسان؟
إن أداة الخلق عند العارف هي «الهمة» و هي قوة غريبة لا نعرف بالضبط ماهيتها يُسَلطها العارف على أي شي ء يريد أن يحدث به أثراً فيحدث ذلك الأثر، أو أي شي ء يريد وجوده فيحدث ذلك الوجود. و يقول في فتوحاته (ج ١ ص ٧٧) إنها معروفة عند المتكلمين باسم «الإخلاص»، و عند الصوفية باسم «الحضور»، و عند العارفين باسم «الهمة» و لكنه يفضّل أن يسميها «بالعناية الإلهية». و لكن هذه لقوة لا يمكن أن يفهمها أو يدرك عملها إلا الذين منحوها و جربوها مهما كانت الأسماء التي نسميها بها. و هؤلاء الذين منّ اللَّه عليهم بها قليلون.
و يبدو لي أننا نستطيع أن نفهم قوة الخلق عند الصوفي على وجهين:
الوجه الأول: أن الصوفي في الحال الخاصة التي يسمونها حال «الفناء» يستطيع أن يخلق، أو يحدث أي أثر في العالم الخارجي يريد إحداثه، بمعنى أن اللَّه يخلق على يديه ذلك الأثر المطلوب. فالفعل فعل الحق، و لكن بوساطة العارف الذي فني عن صفاته البشرية و بقي بصفاته الإلهية و تحقق بها. و ليس للعارف- على هذه النظرية- سوى الوساطة في إظهار قوة الخلق عند اللَّه.