فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٥٢ - الفص الرابع
من هذا يتبين أننا لن ندرك حقيقة الوجود إدراكاً تاماً إلا إذا فهمنا الصلة بين الذات الإلهية و بين أسمائها و مظاهرها- كما أننا لن ندرك حقيقة معنى العدد إلا إذا فهمنا الصلة بين الواحد الحسابي و بين الأعداد و مظاهر الأعداد التي هي المعدودات.
و لكن يجب ألا يخرج هذا عن كونه مجرد تمثيل يريد ابن عربي أن يوضح به نظريته، و هو مع ذلك تمثيل مع الفارق: فإن الواحد العددي معنى مجرد يوجد بجملته في كل عدد، و لا كذلك الحق في تعينه بصور الأعيان الثابتة، اللهم إلا إذا اعتبر الحق في إطلاقه مجرد معنى و هذا لم يقل به صراحة.
كل مرتبة من مراتب العدد حقيقة واحدة تتميز عن غيرها، و ليست مجرد مجموع من الآحاد. فالثلاثة مثلًا مجموع من الآحاد، و كذلك الأربعة و المائة و ما فوق ذلك و ما دونه، و لكن كلًا من هذه الأعداد حقيقة معقولة واحدة تختلف عن غيرها من الحقائق العددية الأخرى. و يختلف كل عدد عن غيره بخصوصية فيه كما يختلف النوع عن غيره من الأنواع الداخلة تحت جنس واحد بخصوصية فيه هي الفصل النوعي. و تشترك الأعداد كلها في أنها مجموع آحاد كما تشترك أنواع الجنس الواحد في صفات ذلك الجنس. و بهذا المعنى نستطيع أن نقول إن عدداً ما هو عين عدد آخر و نستطيع أن نقول في الوقت نفسه إنه غيره. فهو عينه من حيث تكرر الواحد في كليهما، و هو غيره من حيث خصوصية كل منهما.
و هذا معنى قوله: «فما تنفك تُثْبِتُ عين ما هو منفي عندك لذاته». و لكن يجب ألا يتبادر إلى الذهن أن النفي و الإثبات واقعان على شي ء واحد باعتبار واحد و إلا كان في الحكم تناقض، بل هما واقعان على شي ء واحد باعتبارين مختلفين.
فإذا قلنا إن العدد «خمسة» هو عين العدد «ستة» كان ذلك باعتبار أن كلًا منهما هو «الواحد» مكرراً. و إذا قلنا إنهما متغايران، كان ذلك باعتبار خصوصية كل منهما. بل إن «العينية» نفسها مختلفة في الاعتبارين. فإذا قلنا إن خمسة عين ستة كانت العينية جزئية (أو غير مطلقة) و إذا قلنا إن خمسة