فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٤٠ - الفص الثالث
يدل على ذلك قوله في العبارة التالية «فالعالِم يعلم من عُبِدَ، و في أي صورة ظهر حتى عُبِدَ».
(٩) «وَ لا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا».
(٩) هنا خلط عجيب بين الآيات القرآنية و تخريج أعجب. يقول المؤلف: «وَ لا تَزِدِ الظَّالِمِينَ» لأنفسهم المصطفين الذين أوتوا الكتاب- أول الثلاثة». أخذ الظالمين في قوله: «وَ لا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا» (سورة نوح آية ٢٥) بمعنى الظالمين في قوله تعالى: «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ، وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ» (سورة فاطر آية ٢٩). و لذلك وصفهم بأنهم أول الثلاثة الذين أورثهم اللَّه الكتاب و اصطفاهم من بين عباده.
فهم ليسوا ظالمين على الإطلاق فتحقق عليهم الدعوة بالضلال، و لكنهم ظالمون لأنفسهم، لأنهم حرموا نفوسهم متع الحياة و زهدوا في الدنيا و ما فيها و وصلوا إلى مقام الفناء في اللَّه. و جعلهم أول الثلاثة المصطفين لأن الذي وصل إلى مقام الفناء في الذات و اتصف بجميع صفات الكمالات أفضل من المقتصد و هو المعتدل الذي يلزم طريق التوسط في الأمور، و من السابق بالخيرات.
هذا هو المعنى الذي أراد ابن عربي أن يفهمه من كلمة «الظالمين» الواردة في الآية. أما كلمة الضلال، ففهمها على أن المراد بها «الحيرة»، و الحيرة التي هي نوع خاص، هي حيرة الصوفي يرى الحق في كل شي ء، و يرى الواحد كثيراً، و الكثير واحداً، و الأول آخراً و الآخر أولًا، و الظاهر باطناً و الباطن ظاهراً إلى غير ذلك من الأمور المتناقضة التي توقع في الحيرة. و لكنها ليست حيرة الارتباك و قصور الفهم، بل حيرة النفس الهائمة على وجهها الدائبة الحركة في دائرة الوجود. من أي نقطة بدأت حركتها على محيط الدائرة وصلت إلى «الحق» الذي هو مركزها. و لذلك يقول ابن عربي: «فالحائر له الدور و الحركة الدورية حول القطب»، و ليس القطب سوى اللَّه.