فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٤٤ - الفص السابع و العشرون
معه إلى شي ء غيره في شي ء، و في غير شي ء» معناه فلا ترى العين غيره في أي وجود آخر، متعيناً كان ذلك الوجود (و هو ما يسميه شيئاً) أو غير متعين (غير شي ء).
(٢١) «ثم إن مسمى الصلاة له قسمة أخرى ... إلى قوله: هو المتأخر عن السابق في الحلبة».
(٢١) يريد بذلك أن كلمة «الصلاة» تقال بالاشتراك على أكثر من معنى واحد ككلمة «العين» التي تطلق على العين المبصرة، و عين الماء و الذهب، و غير ذلك. و قد ذكر أحد معاني الصلاة في الفقرات السابقة، و يريد الآن شرح معنى آخر (و هو الذي يسميه قسمة أخرى) هو صلاة اللَّه على العبد. فإن اللَّه تعالى أخبرنا أنه يصلي علينا في قوله: «هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَ مَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ» (الأحزاب آية ٤٣). و هنا يتلاعب ابن عربي بالألفاظ مرة أخرى، فيستعمل كلمة «المصلي» بمعنى المتأخر عن السابق، كما تصف الجواد المتأخر في السباق بأنه المصلي، و تصف الأول الفائز بأنه المجلي. فيقول إن اللَّه يصلي عليكم (على الخلق) أي يتجلى لكم باسمه الآخر، فيتأخر وجوده من حيث هو إله مخلوق في اعتقاد العبد عن وجود العبد نفسه. فالحق المصلي علينا هو الحق المتأخر في الوجود، أي الإله المعتقد فيه الذي يتجلى في قلوب العباد فيما لا يتناهى من الصور بحسب استعداداتهم. فإذ صلَّينا نحن كان لنا الاسم «الآخر»، أي فإذا نظرنا إلى الحق اعتبرنا وجودنا متأخراً عن وجوده، و اتصفنا بالاسم الآخر الذي وصفناه به في الاعتبار الأول. و يلاحظ هنا أيضاً أنه يستعمل كلمة «المجلي» المقابلة للمصلي بمعنى المتجلي، أي الظاهر، فيزيد الأمر تعقيداً. و لكن خلاصة كلامه أننا إذا نظرنا إلى أنفسنا أولًا، و إلى الحق ثانياً، أتى الحق متأخراً في الوجود عن وجودنا، لأنه يأتي لنا في صور اعتقاداتنا، فننظر إليه في مرآة نفوسنا. و هذا معنى كونه مصلياً، و معنى تجليه لنا بالاسم الآخر.
و لكنا إذا نظرنا إليه أولًا، و إلى أنفسنا ثانياً، كانت نظرتنا إليه من حيث هو