فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٣٦ - الفص السابع و العشرون
و جعلت قرة عيني في الصلاة». لم يقل ثلاثة مع أنه ذكر الطيب و هو مذكر، و من عادة العرب تغليب المذكر على المؤنث مهما يكن عدد الذكور. فكان المنتظر أن يقول «ثلاثة» و يغلب المذكر على المؤنث، فيأتي بتمييز للعدد على عكس المعدود. و لكنه لم يفعل، بل غلب التأنيث على التذكير لحكمة أرادها. و يرى ابن عربي أن النبي عليه الصلاة و السلام أشار بذلك إلى أهمية التأنيث، و أنه أصل كل شي ء، و العلة في وجود كل شي ء. أ لا ترى أنه مهما كانت وجهة نظرك في خلق العالم، فإنك منتهٍ لا محالة إلى لفظ مؤنث يفسر لك أصله و سبب وجوده؟ فإن قلت إن أصل الوجود «الذات الإلهية»، أو أن الظاهر في الوجود «الصفات الإلهية»، أو أن الذي أظهر الوجود «القدرة الإلهية»، أو وصفت اللَّه بأنه «علة الوجود» و «حقيقته» و ما إلى ذلك، فإنك تستعمل في كل حالة كلمة مؤنثة. و يشير ابن عربي بمجموعة الألفاظ المؤنثة التي أوردها إلى رأي الأشاعرة القائلين بأن سبب وجود الخلق «القدرة الإلهية» ناظرين إلى القدرة، و سائر الصفات على أنها أمور مغايرة للذات الإلهية، و إلى مذهب الحكماء الذين اتبعهم المعتزلة في قولهم ان الذات عين الصفة، و إلى مذهب من يرى أن الذات الإلهية من حيث هي: أي من غير اعتبار لأية صفة: هي علة وجود العالم. و مهما يكن المذهب الذي تأخذ به في أصل الوجود و خلقه، فإن الكلمات التي تعبر بها عن ذلك مؤنثة.
(١٥) «و لما خُلق عبداً بالأصالة لم يرفع رأسه قط إلى السيادة ......
فأعطاه رتبة الفاعلية في عالم الأنفاس».
(١٥) أي و لما خلق محمد عليه السلام (أو بالأحرى الروح المحمدي) وقف من الحق موقف العبودية المحضة، أي موقف الانفعال المحض لأنه الصورة الأولى للحق، و الصورة محل الانفعال كما أسلفنا. و لكنه أُعْطِيَ القوة على الفعل لما أوجد اللَّه من روحه جميع الأرواح و مظاهرها، كما جاء في الحديث الذي يروونه من «أن اللَّه لما خلق العقل قال: أقبل فأقبل، ثم قال: أدبر فأدبر،