فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٣٤ - الفص السابع و العشرون
الوجود الخارجي، في حين أن العالم الذي هو ظل الحق مفتقر إليه في وجوده، و في كل ما هو ظاهر فيه من صفات. و الغني له الأولوية على الفقير، كما أن له صفة الفاعلية، و للمفتقر المفعولية. و قد سبق أن قال: إن المؤثر بكل وجه و على كل حال و في كل حضرة هو اللَّه، و إن المؤثَّر فيه بكل وجه، و على كل حال، و في كل حضرة هو العالم [١]. و إذا كان لنا أن ننسب إلى العالم صفة الفاعلية استناداً إلى ما ندركه فيه من العلل و المعلولات، فلا بد من وصف فاعليته بأنها فاعلية ثانوية، تمييزاً لها عن الفاعلية الأولية التي للحق وحده.
(١٢) «فأعطى كلَّ ذي حق حقه كلٌ عارف».
(١٢) قد تفهم هذه الجملة بمعنى أن العارف باللَّه، الواقف على أسرار حقيقة الوجود، يعطي كلًّا من الحق و الخلق حقه، و يميز بينهما على نحو ما بيناه في التعليق السابق:
أي يميز بين ما له وجوب الوجود و الغنى المطلق عن العالمين، و ما له إمكان الوجود و الافتقار المطلق. و قد تفهم بمعنى أن العارف يعطي كل موجود من الموجودات نصيبه من الحق كما يعطيه نصيبه من الخلق، أي يدرك في كل موجود أنه حق و خلق معاً: حق من حيث عينه و أصله، و خلق من حيث صورته.
(١٣) «و ليست الطبيعة على الحقيقة إلا النَّفَس الرحماني ... إلى قوله:
سريان آخر».
(١٣) سبق أن ذكرنا في الفص العيسوي أن الطبيعة نسبتها إلى النَّفَس الرحماني، نسبة الصور النوعية إلى الشي ء الظاهرة فيه. و قوله «على الحقيقة» إشارة إلى أن العقل و إن كان يميز بين الشي ء و صورته النوعية، إلا أنها في الحقيقة عين ذلك الشي ء. و النَّفَس الرحماني (أو الطبيعية) على هذا التفسير، هو الجوهر الذي تفتحت فيه صور الوجود المادي و الروحي: سماه النَّفَس الرحماني، من قوله
[١] راجع الفص الثاني و العشرين، التعليق الخامس.