فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٢٠ - الفص السابع و العشرون
بل يعتبره الإنسان الكامل و الخليفة الكامل بأخص معانيه. و إذا كان كل واحد من الموجودات مجلى خاصاً لبعض الأسماء الإلهية التي هي أرباب له، فإن محمداً قد انفرد بأنه مجلى للاسم الجامع لجميع تلك الأسماء، و هو الاسم الأعظم الذي هو «اللَّه». و لهذا كانت له مرتبة الجمعية المطلقة، و مرتبة التعين الأول الذي تعينت به الذات الأحدية، إذ ليس فوقه إلا هذه الذات المنزّهة في نفسها عن كل تعين و كل صفة و اسم و رسم.
و لهذه الحقيقة المحمدية التي هي أول التعينات- و إن شئت فقل أول المخلوقات- وظائف أخرى ينسبها إليها ابن عربي. فهي من ناحية صلتها بالعالم مبدأ خلق العالم، إذ هي النور الذي خلقه اللَّه قبل كل شي ء و خلق منه كل شي ء. أو هي العقل الإلهي الذي تجلى الحق فيه لنفسه في حالة الأحدية المطلقة، فكان هذا التجلي بمثابة أول مرحلة من مراحل التنزّل الإلهي في صور الوجود. فلما انكشفت له حقيقة ذاته و كمالاتها، و ما فيها من أعيان الممكنات التي لا تحصى، أحب إظهار كمالاته في صور تكون له بمثابة المرايا التي يرى فيها نفسه، فكانت أعيان الممكنات الخارجية تلك المرايا.
و من ناحية صلة الحقيقة المحمدية بالإنسان، يعتبرها ابن عربي صورة كاملة للإنسان الكامل الذي يجمع في نفسه جميع حقائق الوجود، و لذلك يسميها آدم الحقيقي، و الحقيقة الانسانية. و يعدها من الناحية الصوفية مصدر العلم الباطن، و منبعه، و قطب الأقطاب [١].
[١] راجع تفصيل ذلك في مقالتي« نظريات الإسلاميين في الكلمة» مجلة كلية الآداب.
جامعة فؤاد سنة ١٩٣٤ ص ٣٣- ٧٥.
قارن كذلك الفص الشيثي للمؤلف، و طاسين السراج من كتاب الطواسين للحسين بن منصور الحلاج.