فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣١٩ - الفص السابع و العشرون
الفص السابع و العشرون
(١) «الكلمة المحمدية».
(١) شاع من أوائل عهد الإسلام القول بأزلية محمد عليه السلام، أو بعبارة أدق بأزلية «النور المحمدي». و هو قول ظهر بين الشيعة أولًا و لم يلبث أهل السنة أن أخذوا به، و استند الكل في دعواهم إلى أحاديث يظهر أن أكثرها موضوع. من ذلك أن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: «أنا أول الناس في الخلق» و منها:
«أول ما خلق اللَّه نوري»، و منها: «كنت نبياً و آدم بين الماء و الطين» و غير ذلك من الأحاديث التي استنتجوا منها أنه كان لمحمد عليه السلام وجود قبل وجود الخلق، و قبل وجوده الزماني في صورة النبي المرسل، و أن هذا الوجود قديم غير حادث، و عبروا عنه بالنور المحمدي. و قد أفاضت الشيعة في وصف هذا النور المحمدي، فقالوا إنه ينتقل في الزمان من جيل إلى جيل، و أنه هو الذي ظهر بصورة آدم و نوح و إبراهيم و موسى و غيرهم من الأنبياء ثم ظهر أخيراً بصورة خاتم النبيين محمد عليه السلام. و بهذا أرجعوا جميع الأنبياء من آدم إلى محمد، و كذلك ورثة محمد إلى أصل واحد. و هو قول نجد له صدى في الغنوصية المسيحية. يقول الأب كليمنت الاسكندري: «ليس في الوجود إلا نبي واحد و هو الإنسان الذي خلقه اللَّه على صورته، و الذي يحل فيه روح القدس، و الذي يظهر منذ الأزل في كل زمان بصورة جديدة».
نجد لكل هذا الكلام نظيراً في كتب ابن عربي فيما يسميه الكلمة المحمدية أو الحقيقة المحمدية أو النور المحمدي. فهو لا يقصد بالكلمة المحمدية في هذا الفص محمداً الرسول، و إنما يقصد الحقيقة المحمدية التي يعتبرها أكمل مجلىً خَلْقِيّ ظهر فيه الحق،