فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٠٧ - الفص الخامس و العشرون
في أعلى درجاته في صور الأنبياء و الرسل و الأولياء. و كلٌ من هؤلاء خليفة اللَّه بمعنى أنه الصورة الجامعة الممثلة للكمال الإلهي في عالم الظاهر. و لكنه يفرق بعد ذلك بين أنواع الخلافة و ما يصحبها من وظائف أخرى أو صفات تكون للإنسان الكامل. فمن الخلافة الخلافة العامة، و هي القدر المشترك بين الأنبياء و الرسل و الأولياء و كأنه يريد بذلك الولايةَ بالمعنى الذي شرحناه في التعليق السابق: فإن هؤلاء جميعاً يتفقون في أنهم يعلمون علم الباطن، سواء أدركوا هذه الحقيقة أم لم يدركوها، و يأخذونه عن الخليفة الحقيقي الذي هو أصل علم الباطن و منبعه، و هو الروح المحمدي أو الحقيقة المحمدية الظاهرة على الدوام في صور الأنبياء و الرسل و الأولياء أما أنهم خلفاء اللَّه، فمعناه أنهم أكمل مجالي الحق بين الخلق. و من الخلافة خلافة التشريع، و هي خلافة الأنبياء الذين أرسلهم اللَّه إلى الناس. و هؤلاء يجمعون بين العلم الباطن الذي هو لهم من حيث كونهم خلفاء و أولياء، و بين العلم الظاهر الذي هو علم الشرائع. و لذلك يسميهم بالخلفاء الرسل. و من هذا الصنف الأخير من أعطاهم اللَّه صفة الحكم و المُلك و الدفاع عن رسالتهم بالسيف. و من هؤلاء موسى في نظر المؤلف، و إن كان نبي مثل داود أو محمد أحق بهذه الأوصاف من موسى.
أما قوله في النص «فالخليفة صاحب السيف و العزل و الولاية» فإنه لا يمثل على وجه التحقيق نظريته العامة في الخلافة، كما شرحها في الفص الأول على الأقل. فإنه هنالك يعد الإنسان من حيث هو إنسان، و الإنسان الكامل بوجه خاص (ممثلًا في صورة آدم) خليفة اللَّه في أرضه. و يستعمل في مواضع أخرى (الفص السابع عشر مثلًا) كلمة الخلافة مرادفة لكلمة الولاية بمعناها الواسع الذي شرحناه.
(١٧) «و أما حكمة سؤال فرعون عن الماهية الإلهية فلم يكن عن جهل و إنما كان عن اختبار».
(١٧) سأل فرعون موسى في معرض المحاجة و الجدل فقال «وَ ما رَبُّ الْعالَمِينَ» (الشعراء