فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٠٣ - الفص الخامس و العشرون
(١٢) انتقل من الكلام في فرار موسى بعد قتله الغلام و وصفه ذلك الفرار بأنه حركة دفعه إليها حبه النجاة من القتل، إلى الكلام عن الحركة عموماً. و رأيه أن الحركة في جميع مظاهرها مبعثها الحب، و إن خفي هذا المعنى عن الباحثين في ماهيتها لاشتغالهم بالنظر في أسباب أخرى غير الحب يتوهمون أنها أصل الحركة. الحركة في نظره رمز للحياة و الوجود، و السكون رمز للموت و العدم. و كل حركة، و كل مظهر من مظاهر الوجود، يبعث عليه الحب الساري في جميع الأشياء، الظاهر في جميع الصور. بل الحب هو سر الخلق و علته. و أعني بالخلق هنا ما يعنيه ابن عربي نفسه من أنه ظهور الحق في صور أعيان الممكنات و تجليه فيها. قال تعالى في حديث قدسي يرويه الصوفية «كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق فبه عرفوني». فحب ظهور الحق في صور الوجود، و حبه في أن يعرف نفسه بنفسه في مرايا الممكنات، كما يشاهد الإنسان صورته في المرآة فيدرك منها معنى غير الذي يدركه من نفسه من غير وجود هذه الصورة: ذلك الحب هو علة خلق العالم، و هو الأساس الحقيقي الذي يقوم عليه الوجود، فإنه يتخلل كل ذرة من ذرات العالم، و يدفع بكل شي ء إلى الظهور بالصورة التي هو عليها.
ذلك الحب الذي هو مبدأ الوجود و أصل كل موجود، هو بعينه في نظر الصوفية السبيل الوحيد لمعرفة اللَّه و التحقق بالوحدة الذاتية معه. و هو في نظر ابن عربي أصل جميع الاعتقادات و العبادات كما أسلفنا. (راجع التعليقين الخامس و السادس من الفص السابق). و قد كان الحب عند الصوفية دائماً روح الحياة الدينية و مصدر جذبتهم إلى الحق و شهودهم إياه و أساس نظريتهم في الأخلاق و المعرفة.
(١٣) «و علْمه تعالى بنفسه من حيث هو غني عن العالمين هو له ... إلى قوله للكمال فافهم».
(١٣) للحق نوعان من العلم: علم بذاته من حيث هو في ذاته، و هذا العلم قديم قدم