فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٠٠ - الفص الخامس و العشرون
صورته البدنية و رجوعه إلى الحق. و قد شرحنا ذلك بالتفصيل في مواضع كثيرة من هذه التعليقات (راجع مثلًا التعليق الحادي عشر من الفص الإسماعيلي).
و إذا كان الأمر على هذا النحو فنفس كل إنسان فرعونُه، لأنها مصدر معاصيه و آثامه، و لكن معاصي الإنسان في الحقيقة طاعات بالمعنى الذي أسلفناه و لهذا وسعتها الرحمة الإلهية التي وسعت كل شي ء.
(٩) «كذلك علم الشرائع كما قال تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً:
أي طريقاً: و منهاجاً أي من تلك الطريقة جاء».
(٩) أي كما حرم اللَّه على موسى أن يرضع من ثدي غير ثدي أمه- و كان امتناعه عن الرضاع عن علم ذوقي و إلهام من اللَّه- كذلك وهبه اللَّه علماً ذوقياً بحقيقة الشرائع و أوقفه على سرها. و لكنه يكني بأم موسى عن الأصل الذي انحدر منه، و هو الحق الذي ظهر موسى بصورته. و لهذا قال فيما بعد «فأمه على الحقيقة من أرضعته لا من ولدته». و قال قبل ذلك: «فكان هذا القول إشارة إلى الأصل الذي منه جاء، فهو غذاؤه كما أن فرع الشجرة لا يتغذى إلا من أصله».
فأم موسى اذن هي الأصل الذي غذاه بالوجود، و هذا الأصل هو الحق. و كذلك كنَّى بلبن أم موسى عن صورة العلم الإلهي، و هذا مطرد في جميع كتاباته، استناداً إلى أثر يروونه من أن النبي صلى اللَّه عليه و سلم رأى في منامه يوماً أنه يشرب لبناً فأوَّلَ اللبن بالعلم. فكأن الذي حرم على موسى لم يكن في الحقيقة لبن المراضع، بل الشرائع و الاعتقادات الدينية التي اعتنقها من سبقه أو عاصره، و هي الشرائع التي يكفِّر بعضها بعضاً و يلعن بعضها بعضاً، و التي تحل حراماً أو تحرم حلالًا، لأن اللَّه قد كشف له عن الشريعة الحقة- و هي شريعة وحدة الوجود في نظر ابن عربي- التي لا تعرف حلالًا، و لا حراماً، و انما تعرف أن كل فعل