فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٠ - الفص الثاني
أما ختم الولاية الخاصة (الولاية المحمدية) فهو ابن عربي نفسه على نحو ما صرح في كتاب الفتوحات المكية (الجزء الأول ص ٣١٩).
و ذهب البعض الآخر إلى أنه مطلق ولي يولد آخر الزمان، و يدعو الناس إلى اللَّه فلا تجاب دعوته لغلبة حكم الشهوة على عقول بني الإنسان في ذلك العهد.
و عليه فهو غير عيسى، لأن عيسى سينزل آخر الزمان إلى الأرض و يحكم فيها بشريعة محمد و يرد الإسلام إلى سيرته الأولى.
و هذه تفسيرات لا تشبع غلة و لا تتفق مع روح مذهب المؤلف و لا مع أسلوبه. فالأولى أن نعتبر العبارة رمزية ثم نأخذ في حل رموزها.
يبدو أن المراد بالولد الذي هو آخر ما يولد للنوع الانساني هو «القلب» (أو العقل) كما يفهمه الصوفية، و أن المراد بأخته التي ولدت معه النفسُ الانسانية، و أن المراد بالصين الذي ولد فيها الولد القرار البعيد للطبيعة البشرية أو موضع السر منها: يؤيد ذلك أن كلمة الصين استعملت في غير هذا المقام للدلالة على البعد في مثل قول النبي عليه السلام «اطلبوا العلم و لو في الصين».
و يُشير قوله «يكون رأسه عند رجليها» إلى تغلب النفس الحيوانية على القلب و قهرها له في وقت ما من أوقات تطور الإنسان. أما الناس الذين دعاهم هذا الولد إلى اللَّه فلم يستجيبوا له، فالمراد بهم قوى النفس و جنودها التي لا تخضع لسلطان العقل.
فإذا قبض اللَّه ذلك الولد إليه- و قبض مؤمني زمانه- و هي قوى الإنسان الروحية التي تستجيب لدعوته- بقي من بقي من الناس مثل البهائم. و مهما كثر النكاح بين رجالهم و نسائهم- أي بين القوى الفاعلة و القوى المنفعلة في الإنسان- فلن تستطيع أن تلد ذلك المولود لأنه من طبيعة غير طبيعتها.
و في الفقرات الأخيرة من الفص ما يشير إشارة قوية إلى أن المراد بالمولود العقل الانساني (أو القلب) الذي هو «الفصل» المميز للإنسان عن سائر أنواع الحيوان، و آخر ما ظهر في النشأة الإنسانية من القوى.