فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣ - فاتحة الكتاب
الجزء الثاني
التعليقات
فاتحة الكتاب
(١) «الحمد للَّه منزِّل الحكم على قلوب الكَلِم ...- إلى قوله- و سلم».
(١) الحكمة هي العلم بحقائق الأشياء و العمل بمقتضاها، فلها إذن ناحيتان: ناحية نظرية و أخرى عملية، و هي بهذا المعنى مرادفة للفلسفة بقسميها النظري و العملي.
و على هذا التعريف تكون الحكمة أعم من «العلم» الذي هو إدراك حقائق الأشياء على ما هي عليه، أو محاولة ذلك الإدراك، و أعم من «المعرفة» كذلك.
هذا هو المعنى الاصطلاحي الشائع لكلمة الحكمة. و لكن الصوفية منذ عصر مبكر استعملوا الحكمة في معنى خاص يتفق من ناحية مع مدلولها الفلسفي و يختلف من ناحية أخرى عند ما ننظر إليه في ضوء نظريتهم العامة في طبيعة المعرفة الإنسانية و طرق تحصيلها. ذلك أنهم قابلوا بين «الحكمة» و «الكتاب» مستندين إلى الآية الكريمة «كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَ يُزَكِّيكُمْ وَ يُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ» (س ٢ آية ١٥١) و قالوا إن المراد بالكتاب تعاليم الدين الخاصة بالشرائع و الأحكام، أو ما سموه أحياناً «العلم الظاهر»، و المراد بالحكمة التعاليم الباطنية التي اختص بها الرسول صلى اللَّه عليه و سلم و ورثها ورثته من بعده، و أطلقوا على ذلك اسم العلم الباطن. و ليس العلم الباطن عندهم سوى علم الطريق الصوفي و ما ينكشف للصوفية من حقائق الأشياء و معاني الغيب.
فكأنهم بذلك وجدوا أساساً لطريقتهم في نصوص القرآن نفسه، كما نسبوا علم هذه الطريقة إلى النبي وعدوا أنفسهم ورثة هذا العلم الحافظين له المختصين به.
و لا يختلف ابن عربي عن غيره من الصوفية في استعمال كلمة الحكمة- التي يوردها في عنوان كل فص من فصوص كتابه- إلا في أنه يرى أنها الإرث الباطني الذي ورثه جميع الأنبياء و الأولياء لا عن النبي محمد بل عن الحقيقة المحمدية، أو أنها العلم الذي أخذه هؤلاء جميعاً من مشكاة النبي. و هو لا يشير إلى الأنبياء