فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٦٥ - الفص الثاني و العشرون
- كالمعتزلة من النظار- فهو واهم في ظنه، خاضع لسلطان الوهم من حيث لا يدري:
لأنه لا بد أن يعترف بما جاء به الحق من أنه عين العبد و سمعه و غير ذلك من القوى- إن كان مؤمناً به. و اعترافه هذا نتيجة لاستعمال وهمه. و قد جاءت الشريعة التي يؤمن بها بالتنزيه الذي يحكم به العقل و التشبيه الذي يحكم به الوهم. فاعتقاده أنه يعمل عقله وحده وَهْمٌ منه و خطأ.
و أما صاحب العقل غير المؤمن بما ورد في الشرع من معاني التشبيه فيحكم على الوهم بالوهم، لأنه يحيل على اللَّه تجليه في أية صورة من الصور الحسية و المثالية: أي أنه يحكم على الوهم (الذي يؤيد تجلي الحق في الصور) بأنه كاذب في حكمه، و لكن حكمه هذا على الوهم إنما هو بالوهم، لأنه يتوهم أو يتخيل بنظره الفكري أنه قد أحال على اللَّه تجليه في الرؤيا أو في أية صورة من الصور، و ينكر كل معنى من معاني التشبيه، و الوهم في ذلك لا يفارقه أبداً لأنه يصدقه و يخضع له من حيث لا يدري.
و لعل المؤلف يقصد بهذا الصنف الأخير الفلاسفة.
(٨) «و من ذلك قوله تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ » إلى قوله «فهو كثير بالصور و الأشخاص».
(٨) أي و مما يستدل به أيضاً على وجود مبدأي التأثير و التأثر، و أن التأثير في كل حالة راجع إلى الحق، و التأثر في كل حالة راجع إلى الخلق، قوله تعالى «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» و قوله «وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ» و نحوهما من الآيات التي تشير إلى الاثنينية في ظاهرها و تدل في باطنها على معنى الجمع و الوحدة. فهو يقول إن الاستجابة لا تكون إلا بوجود اثنين: داع و مستجيب، إذ لا يكون مستجيب إلا إذا وجد دعاء الداعين كما في الآية الأولى، و لا يكون مجيب إلا إذا وجد من يدعوه كما في الآية الثانية. و في كلتا الحالتين يوجد مؤثر و هو الدعاء و مؤثَّر فيه و هو المجيب. فالظاهر يقتضي وجود صورتين مختلفتين، إحداهما للداعي