فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٦١ - الفص الثاني و العشرون
المشبه فيجيز تجلي الحق للنائم في صورة من صور على نحو ما يعتقد من تجليه يوم القيامة على خلقه في صورة من الصور و لا يرى بأساً من هذا. و أما صاحب الكشف و الإيمان فيعطي صورة الحق في النوم حقها من التنزيه بأن يقول إنها صورة للحق و لكنه ليس منحصراً فيها بل يتجاوزها إلى غيرها من الصور التي لا تحصى عدداً، كما أنه ظاهر في العالم الخارجي بصور أعيان الممكنات من غير أن تحصره واحدة منها. و هذا هو معنى التنزيه عنده، أي أنه يقول «إن الحق من حيث ذاته منزه عن الصور العقلية و المثالية و الحسية كلها لعجز العقول و الأوهام عن إدراكها، و إن كان بحسب أسمائه و صفاته و ظهوره في مراتب العالم غير منزه عنها» (القيصري ص ٢٣٢). أما حق الصورة من التشبيه فهو إعطاؤها كل مشخصاتها و مميزاتها الخاصة بها من حيث هي كذلك، مثل الشكل و الوضع و المكان و الزمان و غيرها. و معنى هذا أن ابن عربي يفهم من التشبيه و التنزيه الذي ينسبه إلى صاحب الكشف و الإيمان معنى الإطلاق و التحديد، لا التنزيه و التشبيه اللذان يفهمهما عادة أهل الكلام و الفلاسفة. و قد أشرنا إلى ذلك فيما مضى في تعليقاتنا على التنزيه و التشبيه في الفص النوحي.
و إذا كان الأمر كذلك: أي إذا كان كل منا يصور الحق بصورة ما يقضي بها استعداده فتكون صورة تنزيه أحياناً و صورة تشبيه أحياناً أخرى، أو تجمع بين الأمرين، تبيّن لنا مغزى قول ابن عربي «فاللَّه على التحقيق عبارة لمن فهم الإشارة». أي أنه لفظ يفهمه كل إنسان بحسب استعداده و علمه بنفسه و بالعالم المحيط به، أو هو رمز لصورة اعتقاده الخاص. و اللَّه الذي هو عبارة بهذا المعنى هو الإله المخلوق في الاعتقاد الذي أسلفنا ذكره، لا اللَّه من حيث هو في ذاته، فإنه من هذه الحيثية يتعالى عن كل علم و كل فهم. و قد فسر القيصري «اللَّه» في قول المؤلف «فالله على التحقيق عبارة» بأنه «اللَّه» الوارد في قوله تعالى «رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ» كأنما يريد أن لفظة اللَّه في الآية انما هي في الحقيقة عبارة عن حقيقة ظهرت في صورة الرسل. و لا بأس بهذا