فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٦٠ - الفص الثاني و العشرون
على ما هو عليه، قال إن من واجبنا الآن أن نقف حِجاجنا مع كل من المنتقد- و هو صاحب النظر الفكري- و المعتقد و هو التابع الآخذ بظاهر الشرع. يشير بذلك إلى المتكلمين و الفلاسفة الذين يقولون بتنزيه الحق تنزيهاً مطلقاً، و إلى أهل السنة الذين يقولون بالتشبيه. و قد أوقف الحِجَاج مع هاتين الطائفتين لأنهما محجوبتان عن العلم الكامل بحقيقة الوجود، فإن كل طائفة منهما لا تنظر إلى هذه الحقيقة إلا من جانب واحد.
و قد فضل الصمت في هذه المسألة لكي يظهر التفاضل بين الناس في استعداداتهم لمعرفة الحق، فإن الحق قد تجلى في صور أعيان الممكنات فعرفته كل صورة بحسب استعدادها. و الصور متفاضلة في الاستعداد فهي بالتالي متفاضلة في علمها بالله. و يستوي أن نقول إن التفاضل واقع في صور الممكنات التي يتجلى فيها الحق، أو أن نقول كما يقول جامي، إنه واقع في صور تجلي العلم الإلهي في الكائنات. فإنه لا فرق بين التعبيرين في مذهب يقول بوحدة الوجود كمذهب ابن عربي.
و إذا عددنا المنتقد و المعتقد صورتين من بعض ما تجلى فيه الحق كما يقول، فإن هناك صورة ثالثة لم يذكرها، و لكنها تفهم من سياق كلامه، و هي صورة العارف الكامل الذي يقول بالتشبيه و التنزيه معاً. و إذا كان المنتقد صاحب النظر يقول بالتنزيه استناداً إلى عقله، و المعتقد صاحب الوهم يقول بالتشبيه استناداً إلى وهمه، فإن العالم الكامل يجمع بين القولين استناداً إلى عقله و وهمه و ذوقه.
(٤) «فإن كان الذي يعبرها ذا كشف و إيمان فلا يجوز عنها إلى تنزيه فقط، بل يعطيها حقها في التنزيه و مما ظهرت فيه».
(٤) يشير إلى تعبير صاحب الكشف و الايمان للصورة التي يرى فيها الحق في نومه فيقول إنه يعطيها حقها من التنزيه و التشبيه معاً. أما المنزِّه على الإطلاق فينكر تجلي الحق في صورة من الصور، سواء أ كانت هذه الصورة من صور العالم الخارجي أم من صور الرؤيا، لأن الحق في نظره لا يحد بحد و لا تحصره صورة. و أما