فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٤٥ - الفص الحادي و العشرون
للوجود المطلق. فإذا فهمنا الرحمة على أنها الوجود، كانت الرحمة المطلقة التي وسعت كل شي ء هي و الوجود المطلق الذي هو الحق شيئاً واحداً.
فظهور الواحد الحق في صورة الكثرة الوجودية التي هي العالم يقع في التصور على سبيل التدرج في مراتب من الوجود تتحقق كل مرتبة منها عند ما يتجلى الواحد الحق فيها- أو عند ما تسعها الرحمة الإلهية. و أول هذه المراتب مرتبة الذات الإلهية المطلقة: و هي مرتبة الوجود المطلق من حيث هو وجود: لا سبيل لنا إلى معرفتها أو وصفها بأي وصف، لأن كل وصف يحددها و يعينها، و هي متعالية على الوصف و التحديد. فهي مرتبة الشيئية المطلقة التي تعتبر سائر الموجودات مظاهر لها أو صوراً و تعينات فيها. فقوله: «فأول ما وسعت رحمة اللَّه شيئية تلك العين الموجدة للرحمة» معناه أن أول شي ء وسعته الذات الإلهية (أو الوجود المطلق) هو ذات الوجود المطلق، و أن أول تجل للذات الإلهية كان فيها لنفسها، و هو الفيض الأقدس الذي أشرنا إليه في الفص الأول. و هو أيضاً مرتبة العماء. (راجع في معنى الشيئية و العماء ما ذكره في الفتوحات ج ٣ ص ١١٥، و في معنى الشي ء من حيث وجوده بالقوة، و الشي ء من حيث وجوده بالفعل: الفتوحات ج ٤ ص ١٣٦ و ٢١٣).
و المرتبة الثانية من مراتب التجليات هي تجلي الواحد الحق لذاته في صور الأسماء الإلهية، و هي مرتبة الفيض المقدس التي فيها يتجلى الحق لنفسه في صور الموجودات من حيث وجودها في باطن الغيب المطلق: أي من حيث هي نسب و إضافات معقولة إلى الذات الإلهية الواحدة. فإذا عرفنا أن اسم «اللَّه» يشير إلى نسبة الحقائق الوجودية إلى الذات الإلهية على هذا النحو، و أن الاسم «الرحمن» يشير إلى أنه منبع الوجود و أصل كل موجود: إذا عرفنا هذا كله، أدركنا لمَ يعتبر ابن عربي الاسم «اللَّه» مرادفاً للاسم «الرحمن» مستشهداً بقوله تعالى:
«قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى »، و لما ذا