فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٣١ - الفص الثامن عشر
الفص الثامن عشر
(١) (١) النقطة الأساسية التي يحوم حولها هذا الفص هي الإنسان، طبيعته و منزلته من الوجود، و لذا نجد وجوه شبه كثيرة بينه و بين الفص الأول لا سيما في اعتبار الإنسان كوناً جامعاً صغيراً يحوي الكون الجامع الأكبر و يمثل عناصر الوجود فيه. و لكننا نجد في هذا الفص خاصة إشارات قوية إلى القيمة الانسانية و كرامة الإنسان عند اللَّه الذي خلقه على صورته، كما نجد دعوة حارة من المؤلف إلى الإبقاء على النوع الانساني و صيانته، و تحذيراً قوياً ضد هدم النشأة الانسانية لأن في هدمها قضاء على أكمل صورة للَّه في الوجود.
و للفص صلات أخرى بالفصين السابقين عليه لا سيما فيما يتصل بموضوع الخلافة، غير أن هذا الموضوع يعالج هنا معالجة خاصة من الناحية السيكولوجية، فإن المؤلف يشرح النفس الانسانية و طبائعها الثلاث و يبين أنه ما دام الإنسان حياً فإنه يرجى له أن يصل إلى أعلى درجة من درجات الكمال التي يستطيع أن يصل إليها.
أما نسبة حكمة هذا الفص إلى يونس فلا يمكن تعليلها إلا على أساس أن المؤلف يعتبر يونس مجرد رمز للنفس الانسانية الناطقة التي نادت ربها في ظلمات البدن- المرموز إليه في القرآن بالحوت- فإنه صاح في الظلمات «أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ» (قرآن س ٢١ آية ٨٨). و إذا كان في مقدور النفس الانسانية وحدها أن تعرف اللَّه و أن تسبحه و تقدّسه، فهي الجديرة وحدها بأن تحمل اسم الإنسان و أن تكون منه موضع الكرامة. بهذه الطريقة نستطيع أن نفسر الصلة بين موضوع هذا الفص و استعمال اسم يونس هذا الاستعمال الرمزي.