فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢١١ - الفص السادس عشر
(٩) ليست الحياة قاصرة على نوع معين من المخلوقات كما يظن المحجوبون بل هي مبدأ عام سار في الوجود بأسره. و هذا معنى قوله «فما ثَمَّ إلا حيوان»: أي فما في الوجود إلا ذو حياة، و إن كانت هذه حقيقة تخفى عن إدراك بعض الأفهام و تتجلى للبعض الآخر بطريق الكشف و الذوق. أما سريان الحياة في الوجود كله فلأنها صفة من صفات الحق تتجلى في كل موجود بحسب استعداده و أهليته، و لذا بدت واضحة جلية في بعض الكائنات فوصف بأنه حي، و بدت في غيرها أقل وضوحاً و جلاء فلم يوصف بالحياة. و لو علم الناس سريان جميع الصفات الإلهية من العلم و الحياة و القدرة و السمع و البصر و نحوها في الموجودات لما قالوا بغير ما قال الشيخ: و لكنهم في هذه الدنيا محجوبون عن مثل هذه الحقائق التي لا يرقى إلى إدراكها إلا القليلون.
و لكن ثمة مقاماً ينكشف لكل إنسان فيه وجه الحقيقة و يرفع عن قلبه الحجاب- و لعله يريد بهذا المقام «الموت» الذي تتحرر فيه الروح من قيود البدن- أو «الفناء الصوفي» الذي يتحقق فيه هذا التحرر أيضاً، فيدرك الإنسان الحياة في كل شي ء و يشهدها في كل موجود. و هذا المقام هو الذي سماه بالدار الآخرة و قال إنها المعنية بقوله تعالى «وَ إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» (س العنكبوت آية ٦٤).
(١٠) «فمن عمَّ إدراكه كان الحق فيه أظهر في الحكم ممن ليس له هذا العموم» (١٠) تحتمل هذه العبارة الغامضة أحد معنيين و ذلك بحسب ما نفهمه من كلمتي «الحق» و «الحكم». فيصح أن يكون المراد بها أن من عم إدراكه فنظر إلى الوجود نظرة شاملة و شاهد وجود الحق في كل شي ء و حياتَه في كل شي ء، كان الحق (أي الصواب) أظهر في حكمه ممن قصرت أفهامهم عن إدراك هذه المعاني. و يصح من ناحية أخرى أن يكون المراد أن من عم إدراكه للوجود (بالمعنى المتقدم)، كان الحق (أي اللَّه) فيه أظهر منه في غيره في الناحية التي يحكم بها عليه. فإن حُكِمَ على الحق بأنه حي مثلًا كان «الحق الحي» أظهر