فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٠ - الفص الثاني
الفص الثاني
(١) «شيث».
(١) رأينا في الفص السابق أن المراد بآدم هو الصورة الإلهية الجامعة لكل حقائق الوجود، و أن الحق سبحانه لما أحب أن يُعرف تجلى لنفسه في نفسه في هذه الصورة التي كانت بمثابة المرآة و رأى جميع كمالاته فيها فجعلها الغاية من الوجود و خلق العالم الأكبر من أجلها. فآدم بهذا المعنى هو الحق متجلياً بصورة العالم المعقول و حاوياً في نفسه جميع صفات عالم الممكنات.
و هنا نرى ابن عربي يرمز بشيث ابن آدم إلى تَجَلٍ آخر للحق: و هو تجليه في صورة المبدأ الخالق الذي يمنح الوجود لكل موجود- أو باصطلاح المؤلف- يظهر في وجود كل موجود. و لما كان من طبيعة الحق أن يخلق- أي أن الخلق فعل ضروري له- و الخلق هنا معناه الظهور بالوجود لا الإيجاد من العدم- كان هذا التجلي الثاني- نتيجة لازمة عن التجلي الأول كما أن الابن نتيجة طبيعية و لازمة للأب.
و ليس الخلق إيجاداً من عدم كما قلنا و إنما هو ظهور أو خروج أو تجل:
و لذلك اختار له المؤلف كلمة النفخ أو النفث و سمى حكمة شيث بالحكمة النفثية.
و كلمة النفخ أو النفث تشير إلى خروج شي ء من شي ء أو فيض شي ء عن شي ء.
أما الوجود ذاته الذي يمنحه الحق لأعيان الموجودات فكثيراً ما يشار إليه «بنَفَسِ الرحمن» أو «النَّفَس الرحماني» و من هنا جاء استعمال الرحمة بمعنى منح الوجود.
(٢) «العطايا و المنح الإلهية».
(٢) ما ذا تكون العطايا و المنح التي يهبها اللَّه للعالَم في مذهب يقول بوحدة الوجود