فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٨٠ - الفص الخامس عشر
جبريل الملك الموكل بالوحي، فقد أشرنا فيما مضى إلى أنه يرى أن الوحي تلقائي ينكشف للموحَى إليه من ذاته، حيث لا يحتاج لوساطة ملك أو غيره (الفص السابع: التعليق العاشر).
جبريل عنده هو مبدأ الحياة في الكون: هو الروح الكلي المنبث في الوجود بأسره على ما في الموجودات من تفاوت في درجات الحياة و مقدرتهم على الظهور بمظاهرها. و ليس في الوجود- في مذهبه- إلا ما هو حي و ما هو ناطق، و إن كنا قاصرين عن إدراك هاتين الناحيتين في كثير من الموجودات. فيجب إذن ألا نسارع إلى إنكار وجودهما في بعض الكائنات لأننا عجزنا عن إدراكهما فيها عن طريق العقل أو الحس.
فجبريل ليس إلا الحق ذاته متجلياً في صورة ذلك الروح الكلي، و ما ظهر منه في أي موجود من الموجودات هو «لاهوت» هذا الموجود أو جهة الحق فيه: كما أن الصورة التي يظهر فيها هي ناسوته [١] أو جهة الخلق فيه. و إن شئت فقل إن الروح و المادة هما وجها الحقيقة الوجودية اللذان أطلقنا عليهما اسم الحق و الخلق، أو الباطن و الظاهر فيما سبق. و هذه نظرة إلى الحق لا من ناحية إطلاقه و تنزهه عن الخلق، بل من ناحية تعينه و وجوده فيه. فهو تلك القوة التي لا تطأ شيئاً في الوجود إلا دبت فيه الحياة، و هو الذي قبض السامري قبضة من أثره و صنع منها عجل بني إسرائيل، و هو الذي نفخ في مريم فولدت عيسى عليه السلام.
[١] يستعمل ابن عربي كلمة اللاهوت للدلالة على« ذلك القدر من الحياة السارية في الأشياء» و الناسوت« للمحل القائم به الروح» و قد استعمل الاصطلاحين من قبله الحلاج كما استعمل كلمتي الطول و العرض. قارن الفتوحات ج ١ ص ٢١٩ حيث يشرح ابن عربي نظرية الحلاج. على أن كلمة الروح قد تطلق مجازاً على الناسوت من ناحية أنه محلها الذي تقوم به.