فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٧٩ - الفص الخامس عشر
«الواحد» متجلّ في صور أعيان الممكنات التي لا تتناهى: كان ذلك منذ الأزل و سيبقى كذلك على الدوام. لم يجد ابن عربي و أصحابه إذن حرجاً- كما وجد الفلاسفة المشاءون من المسلمين- في القول بأن الكثرة قد صدرت عن الواحد بالمعنى الذي ذكرناه: أي أن الواحد قد ظهر بصور الأعيان المتكثرة في الوجود الخارجي. و لم يأخذ بالقاعدة التي أخذ بها المشاءون و جعلوها أساساً لمذهبهم، و هي أن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد، بل قال إن الواحد قد صدر عنه العقل الأول كما صدر عنه الأرواح المهيمة و أرواح الكاملين من الخلق كالأنبياء و الأولياء، بل و روح كل موجود (و ليس في الوجود إلا ما له روح).
بعبارة أخرى صدر عن الواحد الحق كل شي ء، لأنه حقيقة كل شي ء و المتجلي في كل شي ء.
فالمسيح الذي هو روح من اللَّه صدر عن اللَّه بهذا المعنى: أي أن اللَّه قد تجلى في صورته كما تجلى في صور ما لا يحصى من الممكنات الأخرى، و ليس كما يقول القيصري إنه صدر عن اللَّه لأنه في الصف الأول من الأرواح التي صدرت مباشرة عن اللَّه، بينما صدر غيره من الأرواح عن اللَّه بوساطة العقل الأول أو العقول الكونية الأخرى. و في هذا التأويل بمعنى من الأفلاطونية الحديثة لا تحتمله فلسفة ابن عربي العامة و لا يتفق مع ما سيرد من النصوص في هذا الفص.
و من كون المسيح روحاً من اللَّه، أو من كونه مجلى من المجالي الإلهية التي لا تحصى، كانت له القدرة على الخلق و إحياء الموتى و غير ذلك مما لا ينسب عادة إلا إلى اللَّه. و الحقيقة أن في نسبة هذه الأفعال إلى المسيح شيئاً من التجوز، لأن الخالق على الإطلاق و المحيي على الإطلاق هو اللَّه، و لم يكن في هذه الحالة سوى اللَّه في الصورة العيسوية الخاصة.
(٤) «جبريل عليه السلام و هو الروح».
(٤) ليس من الغريب أن يكون لجبريل في مذهب ابن عربي شأن آخر غير شأن