فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٧٦ - الفص الخامس عشر
الفص الخامس عشر
(١) «الحكمة النبوية في الكلمة العيسوية».
(١) يظهر أن السبب في نسبة الحكمة النبوية إلى عيسى و اختصاصه بالنبوة أكثر من الرسالة، هو ما ورد في القرآن من الآيات التي تنص على نبوته منذ ولادته حتى أنطقه اللَّه بما يثبت ذلك و هو لم يزل بعد في المهد صبياً. قال عيسى يخاطب قومه و يدافع عن أمه التي حام شك الناس حولها: «إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا وَ جَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا» (قرآن س ١٩ آية ٣٢).
هذا من ناحية: و من ناحية أخرى يعتقد المسلمون أن عيسى سينزل من السماء آخر الزمان و يحكم في الناس بشريعة محمد صلى اللَّه عليه و سلم و يعيد الإسلام إلى سيرته الأولى: أي أنه سيكون نبياً تابعاً لا نبياً رسولًا و لا مشرّعاً و هذه هي النبوة العامة أو النبوة المطلقة التي تختلف عن النبوة الخاصة التي هي نبوة التشريع. و لهذا يعتبره ابن عربي خاتم الأنبياء: أي خاتم من تكون لهم هذه النبوة العامة. أما خاتم الأنبياء المشرعين فمحمد عليه السلام.
على أن عيسى- إذا نظر إليه من ناحية حياته في هذه الدنيا- قد كان نبياً رسولًا، لأن كل رسول له إلى جانب رسالته صفتا النبوة و الولاية كما ذكرنا.
و جانب النبوة فيه يختلف عن جانب الرسالة و ينحصر في قدرته على الإخبار بما هو في عالم الغيب، تلك القدرة التي تظهر في كل نبي عند سن الأربعين. و لا يتردد ابن عوبي في أن يسمي تلك النبوة العامة التي هي قدر مشترك بين الأنبياء