فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٧١ - الفص الرابع عشر
أسلفناه- و تفرقهم صفات أخرى يمتاز بها كل منهم عن الآخر، و هي صفات عارضة لا تتنافى مع جوهرهم الذي هو الولاية. فالنبي ولي اختص إلى جانب ولايته بالقدرة على الإنباء و الإخبار بالمغيبات، و الرسول ولي اختص إلى جانب ولايته بتبليغ رسالة إلهية إلى الناس. و الولي ولي و حسب، و لو أنه يستطيع هو الآخر أن يطلع على عالم الغيب في بعض أحواله، و لكن ليس له هذا المقام بين الناس.
و الولاية- بهذا المعنى- لا تنقطع ما دام في الناس من يصل إلى مقامها، بينما تنقطع الرسالة و النبوة الخاصة، بل إنهما قد انقطعا فعلًا بموت النبي محمد صلى اللَّه عليه و سلم آخر الأنبياء و المرسلين الذي قال «لا نبي بعدي»: أي لا نبي بعده مشرِّعاً أو مشرَّعاً له و لا رسول: و النبي المشرِّع هو الرسول مثل موسى و عيسى و محمد، و المشرَّع له هو الداخل في شريعة مشرِّع. مثل أنبياء بني إسرائيل.
يقول ابن عربي «و قد قصم هذا الحديث ظهور أولياء اللَّه» لأن الكاملين من الأولياء لا يريدون أن يتسموا باسم من الأسماء الإلهية تحقيقاً لعبوديتهم الخالصة، و اسم «الولي» من الأسماء التي أطلقها الحق على نفسه في مثل قوله تعالى: «اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا» و قوله: «وَ هُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ». فلم يبق للكاملين إذن اسم يختصون به دون الحق لانقطاع اسمي النبوة و الرسالة، بل لم يبق لهم سوى اسم الولي الذي يشاركون فيه سيدهم و هذا عزيز عليهم، لأن مقامهم الحقيقي الجدير بهم هو مقام العبودية الخالصة و ما يلزمها من صفات.
(٩) «فإذا رأيت النبي يتكلم بكلام خارج عن التشريع فمن حيث هو ولي و عارف».
(٩) المراد بالنبي هنا أي نبي كان، و قد سبق أن ذكرنا أن كل رسول و كل نبي هو إلى جانب رسالته أو نبوته ولي. فإذا رأيت نبياً من الأنبياء يتكلم بكلام لا وجود له و لا أصل له في الشرع الخاص الذي يتبعه، فإنما يأتيه علمه بما يتكلم