فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٦٥ - الفص الرابع عشر
فاللَّه قد فضل بعض الرسل على بعض- لا بمعنى أنه خص بعضهم بفضل ما و حرم الآخرين منه، أو أكرم بعضهم أكثر مما أكرم غيره، أو غير ذلك مما هو أدخل في المعاني الخلقية، و لكنه بمعنى أنه أرسل بعض الرسل برسالات لم يرسل بها غيرهم لاختلاف الأمم في مدى استعدادهم لقبول الرسالات الإلهية و العمل بها. فاختلفت الرسل، و اختلفت رسالاتهم باختلاف أممهم. و في هذا الاختلاف معنى التفاضل، و لكنه ليس تفاضلًا أخلاقياً و لا تفاضلًا يستند إلى قيمة الرسول عند اللَّه. ليس أحد من الرسل أفضل من الآخر في عمله و لا في درجة قربه من اللَّه، و لكن الرسل يتفاوتون فيما أرسلوا به من الشرائع و الأحكام، كل في الزمان و المكان و إلى الأمة التي هي أحق من غيرها برسالته. فالشرائع إذن تختلف بساطة و تعقيداً كما تختلف في أنواعها، و يحددها في حالة كل رسول طبيعة الأمة التي أرسل إليها و ظروفها، فهي متفاضلة أي مختلفة متفاوتة، و كذلك الرسل المرسلون بها.
و لكن لكل رسول نوعين من العلم يختلف فيهما عن غيره من الرسل:
الأول العلم الخاص بشريعته: و هذا مقيد كما قلنا بظروف الأمة التي بعث إليها.
الثاني علم بالأمور الأخرى غير المتصلة بشريعته و هذا مقيد بطبيعته هو و استعداده.
أما الأنبياء فيقع التفاضل بينهم- أي الاختلاف- في النوع الثاني فقط، و من أهم أجزائه العلم بالمغيبات و أما غير الأنبياء و الرسل من الخلق فيقع التفاضل بينهم في الرزق، و الرزق منه ما هو مادي كالأغذية و منه ما هو روحاني كالعلوم. و لا يعطي الحق العباد من الرزق إلا بقدر استحقاقهم، و استحقاقهم هو استعدادهم أو ما تتطلبه حقائقهم و أعيانهم الثابتة. فالتفاضل في الأحوال الثلاثة اختلاف و زيادة و نقص لا تمييز و أفضلية.
(٤) «فالتوقيت في الأصل للمعلوم، و القضاء و العلم و الإرادة و المشيئة تبع للقدر».
(٤) عرَّف «القدر» في أول الفص بأنه «توقيت ما هي عليه الأشياء في عينها من غير مزيد»، كما عرَّف القضاء بأنه «حكم اللَّه في الأشياء». فالقدر هو