فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٦٤ - الفص الرابع عشر
فمنهم تصدر الأفعال، و في ذواتهم تتقرر من الأزل. و لا يحكم قضاء اللَّه على الأشياء إلا بها- أي بمقتضى طبيعتها، فهي الحاكمة على نفسها بما استقر في أعيانها الثابتة. و ليس للَّه في الأمر إلا أن تقتضي عنايته تحقق ما في هذه الأعيان على ما هي عليه. فإن فَعَلَ الإنسان الخير فمن استعداده الأزلي لفعل الخير، و إن فعل الشر فمن استعداده الأزلي لفعل الشر، و هو يجني في الحالين ثمرة غرسه، أو ثمرة ما غُرسَ في جبلته.
فإن قيل فما معنى الجزاء، و ما معنى الثواب و العقاب في مذهب جبري كهذا المذهب، أجاب ابن عربي أن الثواب و العقاب ليسا إلا اسمين لما عليه حال العباد من طاعة أو معصية، و ما يعقب هذه الحالة من لذة أو ألم في حياة العباد في هذه الدنيا نتيجة لأفعال طاعتهم أو معصيتهم. بل إن هذه الحال نفسها من جملة الأحوال التي تقتضيها أعيان العباد في فطرتها الأولى. فكما أن العبد مفطور على فعل الخير أو الشر و مفطور على عمل الطاعة أو المعصية، كذلك هو مفطور على أن يكون شقياً أو سعيداً بأفعاله. و معنى هذا أن الثواب و العقاب ليسا جزاء من اللَّه يقضي به في الدار الآخرة، بل هما أقرب ما يكون إلى الجزاء الطبيعي الذي يجلبه على الفاعل فعله. قارن ما ورد في الثواب و العقاب و حمد الإنسان و ذمه نفسه: الفص الخامس: التعليقان ٦، ٧، و السابع: التعليق ١١، و الثامن التعليقان ٥، ٦، و العاشر: التعليق ٢ إلخ.
(٣) «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ» (قرآن س ١٧ آية ٥٥).
(٣) التفاضل حاصل بين الرسل كما نصت عليه الآية المذكورة و بين النبيين بدليل قوله تعالى «وَ لَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ»، بل بين الناس عامة كما قال تعالى «وَ اللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ». و على هذه الآيات يبني ابن عربي نظرية لا تخلو من طرافة في معنى أفضلية بعض الرسل على بعض، و أفضلية بعض الخلق على بعض، كما يشير إلى اختلاف الرسل في رسالاتهم باختلاف الأمم التي أرسلوا إليها.