فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٥٩ - الفص الثالث عشر
من المعجزات بين الناس فيحملوهم على الاعتقاد برسالتهم و التصديق بهم. هذا حق للأنبياء المرسلين، و لكنهم لو أدركوا الأمر على حقيقته كما يدركه العارفون- و هم لا شك يدركونه- لصدفوا عن التصرف و تركوه جانباً، إلا أن يكون اللَّه قد قدر أزلا أنهم سيتصرفون على نحو ما، تحقيقاً لغرض معين.
هذا جانب من جوانب الجبرية في الموضوع. و هناك جانب آخر لا يقل عنه في أهميته. إذا كانت اعتقادات الخلق في الحق مقدرة أزلًا، و إذا كان كل إنسان يولد عاصياً أو مطيعاً نتيجة لما طبعت عليه عينه الثابتة في العلم القديم، و إذا كان التصديق بالرسل و التكذيب بهم جزءاً من النظام العالم المقرر أزلًا، فما قيمة تصرف الأنبياء و إظهارهم المعجزات؟ نعم يقول اللَّه عز و جل «وَ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ»^ و لكنه يقول أيضاً «وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ»^ أي الذين اقتضت أعيانهم الثابتة هدايتهم فعلم اللَّه ذلك منهم أزلًا، و علم أنهم لن يحولوا عن طريق الهداية أبداً كما أن أهل الضلال لن يحولوا عن طريق ضلالهم مهما بذل رسلهم من تصرف و أظهروا من معجزات.
(٥)
|
«فالكل منا و منهم |
و الأخذ عنا و عنهم» |
|
(البيتان).
(٥) شرح بما لا مزيد عليه من الوضوح أن الهداية و الضلال مقدران أزلا على كل مهتد و ضال، و أن ذلك التقدير الأزلي راجع إلى طبيعة الأشياء ذاتها، و أنه و ليس شيئاً آخر فرضته قوة خارجة عن القوة السارية في الوجود بأسره. فإن قيل أن الكفر مقدر على الكافر، و إن الإيمان مقدر على المؤمن، كان معنى ذلك أن العين الثابتة في العلم الإلهي اقتضت كفر الكافر و إيمان المؤمن- لا أن الحق تعالى قدر الكفر على الكافر ثم طالبه بما ليس في وسعه أن يأتي به. هكذا فهم ابن عربي العدالة الإلهية و هي عدالة سلبية أو عدالة معطلة لأن العدالة الحقيقية عمل إرادي يصدر ممن في قدرته أن يعدل و أن يظلم، و الحق في نظر ابن عربي ليس له إلا إرادة الموجود الثابت، أو ليس له إرادة أصلًا. نعم لم يفرض الحق على العبد الكفر ثم يطالبه بالإيمان و إلا