فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٥٠ - الفص الثاني عشر
إن هذه الصور ليست سوى صور الاعتقاد التي يعرف فيها أصحابها الحق أو ينكرونه. و يشرح هنا معنى قوله تعالى «وَ بَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ» بنفس المعنى: أي أن الحق تعالى يظهر لعباده يوم القيامة بصور لم يكونوا يتوقعونها و لا خطرت لهم ببال. و هذه الصور هي صور الاعتقاد المتعلق بحكم من أحكام اللَّه أو بهويَّة اللَّه ذاتها. فالمعتزلي مثلًا يعتقد أن العاصي إذا مات على غير توبة عاقبه اللَّه، فإذا رأى يوم القيامة أن من مات كذلك رحمه اللَّه و عفا عنه للعناية الإلهية السابقة في حقه، انكشف له خلاف معتقده. و هذا معنى تجلي الحق له يوم القيامة بصورة لم يكن يحتسبها. أما في هوية الحق، فإن بعض العباد يعتقد أنه كذا و كذا ثم يتجلى الحق لهم في صورة هوية أخرى تخالف معتقدهم فيبدو لهم من اللَّه ما لم يكونوا يحتسبون.
و الأمر الخطير في المسألة أن ابن عربي يفسر يوم القيامة و كل ما يتصل به من أمور الآخرة تفسيراً جديداً يتمشى مع مذهبه في وحدة الوجود و لا يمت إلى المعاني الإسلامية بصلة. فيوم القيامة هو يوم يقظة الروح الانسانية، أو يوم عودة النفس الجزئية إلى النفس الكلية: أو هو الوقت الذي تتحقق فيه النفس الجزئية من وحدتها الذاتية ب «الكل». و عند هذه العودة- أو عند هذا التحقق تنمحي صور الاعتقادات الخاصة و يشاهَدُ الحق في كل شي ء و في صورة كل معتقد. فإذا ظهر الحق و وقع الشهود من العبد: أي إذا ارتفعت حجب المعتقدات الجزئية، ارتفعت كذلك الحواجز و الفوارق بين الحق و العبد- بين الواحد و الكثير- و استيقظت النفس من سباتها العميق فوجدت أنها هي هو:
و شاهدت الحق بعد رفع الغطاء ببصر لا يعتريه كلال، و حق فيها قول الحق:
«لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ» (قرآن س ٥٠ آية ٢٢).
(١٢) «و من أعجب الأمور أنه في الترقي دائماً و لا يشعر بذلك للطافة الحجاب و رقته و تشابه الصور».